فهرس الكتاب
إن المراقب للتاريخ الأمريكي تصدمه وقائع الطريقة التي تعامل بها الأمريكيون مع شعوب العالم، إذ سرعان ما يكتشف المرء أن لا فرق بين نظرة اليهود إلى الأمميين ونظرة الإنجلوسكسون إليهم. والسبب هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تشكلت بعد اكتشافها من عناصر انكلوسكسونية كان الغالب عليها العرق البريطاني الأبيض الذي يشمل الإنجليز واليهود الغربيين، ورافقت حملات الإرهاب والإبادة ضد الهنود الحمر حملات الإسترقاق من أفريقيا، والتي كان أهم تجارها من البروتستانت واليهود، وجميع الوثائق التاريخية تشير إلى ذلك دون مواربة أو تعصب أو اتهام. وراحت الولايات تتشكل حتى جرت أحداث الحرب الأهلية الأمريكية بين الجنوب والشمال، وانجلت عن تشكل ما يسمى الولايات المتحدة الأمريكية. ومع مطلع القرن السابع عشر كان عدد الهنود الحمر في عموم القارتين الأمريكتين أقل من ثماني ملايين، بعد أن كان أكثر من خمسين مليونا، لنرى حجم الإرهاب الأمريكي ضد الشعوب الأصلية التي سكنت تلك الأرض. لنثبت حجم الإرهاب اللا إنساني الذي قام به المستعمرون الأمريكان لتلك الارض.و يكفينا أن نذكر أنه في عام 1730 أصدرت الجمعية التشريعية ( البرلمان) الأمريكي لمن يسمون أنفسهم (البروتستانت الأطهار) تشريعاً تبيح عملية الإبادة لمن تبقى من الهنود الحمر، فأصدرت قرارا بتقديم مكافأة مقدارها 40 جنيها مقابل كل فروة مسلوخة من رأس هندي أحمر،و40 جنيهاً مقابل أسر كل واحد منهم، وبعد خمسة عشر عاماً ارتفعت المكافأة إلى 100 جنيه و50 جنيه مقابل فروة رأس إمرأه أو فروة رأس طفل (هذه هي الحضارة الأمريكية التي يتشدق بها بعض المفكرين) .
وفي عام 1763 أمر القائد الأمريكي (البريطاني الأصل) جفري أهرست برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحات علاج الجدري إلى الهنود الحمر بهدف نشر المرض بينهم مما أدى إلى انتشار الوباء الذي نتج عنه موت الملايين من الهنود، ونتج عن ذلك شبه أفناء للسكان الأصليين في القارة الأمريكية. إنها حرب جرثومية بكل ما في الكلمة من معنى، ونشر مرض الجدري من أسلحة الحرب الجرثومية وكان أخطر ما فيه أنه لم يكن لهذا المرض أي وجود في القارتين الأمريكتين، يعني ذلك أن هذا المرض لم يكن مستوطنا هناك، ويعني هذا أيضا أن السكان الأصليين ليس لديهم أية مناعة ضد هذا الوباء الجرثومي. والمجرمون الذين استخدموا هذه الأسلحة الجرثومية يعلمون بأنه سيفتك إلى حد الإبادة بالهنود الحمر ورغم ذلك استخدموه فكانت هذه الحادثة هي أول وأكبر استخدام لأسلحة الدمار الشامل بشكلها الشامل ضد الهنود الحمر، حتى أن القنابل النووية التي أطلقت بعد ذلك بما يزيد عن قرن ونيف على هيروشيما وناكازاكي لم تكن أكثر فتكاً من جرثومة الجدري المستخدمة ضد الهنود، حيث قتل من اليابانيين 5% من عدد ضحايا الهنود في تلك المجزرة. حتى في موضوع استخدامات أسلحة الدمار الشامل لا يسعنا إلا أن نذكرأن أمريكا أكثر من استخدم أسلحة الدمار الشامل في العالم. فهي استخدمت الأسلحة الجرثومية بشكلها الواسع وقتل أكثر من سبعه مليون هندي أحمر. وأمريكا أكثر من استخدم الأسلحة الكيميائية في الحرب الفيتنامية وقتل مئات آلاف من الفيتناميين. وأمريكا أول من استخدم الأسلحة النووية في تاريخ البشرية. وأمريكا أول من صنع الأسلحة الهايدروجينية وأمريكا أول من صنع الأسلحة النيوترونية. وبعد شبه فراغ القارة الأمريكية من الهنود الحمر، اضطر الغزاة الإرهابيون إلى البحث عن قرابين بشرية جديدة يكلفونها بتعمير القارة التي أبادوا سكانها. وبعد أن فشلت حملاتهم على شمال أفريقيا، ودفنت أحلامهم وقتل ملوكهم في معارك وادي المخازن بالمغرب، بعد كل ذلك اتجهوا إلى أفريقيا السوداء وبدأت ثاني أفظع جريمة إبادة وتهجير في التاريخ، وهي تجارة الرقيق الأسود بعد اصطيادهم وأسرهم من السواحل الأفريقية في عمليات إجرام خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي أدت بدورها إلى مآسي طالت خمسين مليون أفريقي أسود تم شحنهم من أنحاء القارة الأفريقية وقد هلك معظمهم قبل أن يصلوا إلى العالم الجديد، مما لقوا من العذاب والجوع والقهر ، حيث تم قتل الكثيرين منهم لمجرد نشوة القتل والتسلي بهم، هل هناك إرهاب أفظع من ذلك؟ والعجيب في الأمر أن أمريكا هي التي أحبطت في مؤتمر دوربان عام 2001 مطالب الأفارقة بالتعويض عما حدث لهم، بل رفضت أن يقدم لهم مجرد اعتذار. ولعل الدافع وراء ذلك المفاهيم التوراتية فحسب ايالكوت سيموني (245c.n.772) :"كل من سفك دم شخص غير يهودي عمله مقبول عند الله، كمن يقدم قرباناً إليه"لذلك يعتقدون أنهم بهذا الإرهاب والقتل والبطش والتشريد والذبح إنما يقدمون قرابين إلى إلههم الذي يدعوهم لفعل ذلك، فكيف يعتذرون عن ذلك.