فهرس الكتاب

الصفحة 11360 من 27364

كما أسلفت كل الجماعات تتفاوت في رؤاها وأفكارها، وقد يبدو الحزب الواحد منسجماً في بداية الطريق، ثم خلال المسيرة تطرأ على البعض رؤى جديدة لم تكن موجودة في البداية، ثم يأخذ طرح هذه الرؤى مكانه في الجماعة بهدوء، ثم يزداد الحماس، ثم يحدث النقاش والأخذ والرد، ثم الخلاف، الذي ينتهي إما بترك الجماعة، وإما بالخضوع فيها لغير إرادتها، وفي تقديري أن إي خلاف يمكن حسمه وعلاجه إذا كانت هناك رغبة خالصة ونية متبادلة بين الأطراف المختلفة.

فضيلة الشيخ صادق، بداية نود أن تحدثونا عن كيفية انضمامكم للإخوان المسلمين، وما هي الملابسات التي صاحبت ذلك؟

السبب المباشر في هذا بعد فضل الله تعالى هو وجودي في مركز الدعوة بالقاهرة، فقد درست المرحلة الثانوية بحلوان، وتوطدت علاقتي بأسرة آل عزام، ومنهم محفوظ عزام (الداعية المعروف) ، و عبد الرحمن عزام أول أمين للجامعة العربية، وعبد الوهاب عزام الدبلوماسي الشاعر الذي كان سفيراً لمصر في باكستان، والذي ترجم أشعار محمد إقبال للعربية، كما توطدت علاقتي بطالب اسمه محمود يونس الشربيني، لاحظت أنه كان يلازمني دائماً، ويحدثني عن الإمام البنا، وعن انتشار حركة الإخوان المسلمين في قطاعات المجتمع المختلفة، مثل: الجيش والشرطة وبين أساتذة الجامعات، وكان ذلك مدخلاً طيباً حتى لا أظن أن الإخوان مجموعة من الدراويش، وكان الشربيني يقابل فيّ عناداً خفيفاً، لكنه كان يعالجه بصبر وحكمة، وكنت وقتها مسؤولاً عن الطلبة السودانيين بالمدرسة، ولعل هذا هو السبب الذي جعله يركز عليّ، كذلك كان الشربيني يزودني برسائل الإمام البنا، وعبد القادر عودة، وكنت أعرض عليه بعض الأشعار التي أكتبها. أذكر أن الشربيني جاءني في أحد الأيام وذكر لي أن الإمام البنا سيزور حلوان وسيفتتح شعبة جديدة للإخوان (شعبة العزبة) ، وسيلقي محاضرة كبيرة في دار السينما، كان ذلك في عام 1942م، أذكر أنني ذهبت لحضور تلك المحاضرة وكان معي عدد من الإخوة السودانيين منهم: جبر عبد الرحمن، محمد زيادة حمور، محمد عبد الحكيم، حسين عثمان منصور وآخرون، جذبني خطاب الإمام البنا، وبعد المحاضرة استفسر الإمام البنا عما إذا كانت هناك أسئلة، فرفعت يدي وكنت مأخوذاً بكلامه، فبدلاً من السؤال علقت أننا في السودان نحتاج إلى مثل هذا الكلام، وكنت أرجو أن يوافقني الإمام و يَعِد بزيارة للسودان، لكنه لم يعلق على كلامي، فشعرت بإحراج شديد لعدم تعليقه، وبعد انتهاء المحاضرة خرجت مع أصدقائي، وإذا بي أسمع صوتاً يناديني ويطلب مني أن أكلم فضيلة الإمام، وإذا بي أفاجأ بالإمام خلفي، فسألني عن السودان وأهله، وقال لي بيتاً من الشعر معناه لو كنت حراً طليقاً أطير كما شئت لزرت كل البلدان، رجعنا إلى السكن الداخلي، وكان محمود الشربيني قد طلب مني أن أكتب قصيدة، وأخذني إلى"قهوة"هادئة وتكفل بإفطاري وغذائي والشاي حتى أفرغ من القصيدة، لا أتذكر من تلك القصيدة الآن إلا بعض أبيات منها:

دين من الله يهوانا ونهواه … …

وينصر الله من يرعى سجاياه

الله أكبر ما زلنا نرددها … …

رغم الطغاة ومن يكفر هديناه

ثم جاء يوم الاحتفال، وخطب فينا الإمام البنا، وبعد كلمته سمعت مقدم البرنامج يقول: والآن مع الطالب السوداني صادق عبد الله في قصيدة، فصعدت وألقيت القصيدة وكانت تقاطع بالتكبير، وفي ظني أن الإمام البنا تحدث مع الشربيني عنّي وأوصاه عليّ، وقد ألمح إليّ الأخوَان: جمال السنهوري، و عبد الباقي عمر عطية بذلك. جاءني الشربيني في اليوم التالي وشكرني على القصيدة، وصرنا نحضر حديث الثلاثاء بالمركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية، وكان يبعد عن السكن الداخلي نحو 25 كيلومتر، وكنا نلتقي فيه ببعض شباب الإخوان أمثال: المنيسي (طالب طب) ، غانم، ومحمود شاهين (استشهد ثلاثتهم في حرب القناة) كانوا يزوروننا في السكن الداخلي، وكان دخولنا للإخوان المسلمين طبيعياً وتلقائياً، فبمجرد أن علم الإخوان أننا قبلنا الدعوة اعتبرونا إخواناً وبدأنا تنظيم الأسر وبدأ الإخوان في زيارتنا.

فضيلة الشيخ! ما هي أهم الأحداث التي تلت ذلك؟

أذكر من الأحداث المهمة في تلك الفترة، اغتيال الأمام البنا -رحمه الله-، وكيف حاول بعض طلاب الإخوان اغتيال إبراهيم عبد الهادي -رئيس الوزراء المصري- انتقاماً لمقتل البنا، وأذكر أن بعد المحاولة جاءني المتهم الأول فيها وذكر لي أن الطلاب قرروا تنفيذ العملية ثأراً للإمام البنا، وتمكن رجال الأمن من القبض علي بعضهم، وهذا الأخ (المتهم الأول) هاجر إلى ليبيا واستجار بالسنوسي ملك ليبيا وقتها، وكانت علاقة الملك السنوسي بالإخوان حسنة، فاستضافه ورفض تسليمه للحكومة المصرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت