فهرس الكتاب
كما استفاد الكفار من رحمة رسول ا صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى كان يهلك من قبل الأمم الكافرة بسبب كفرها وعصيانها هلاكاً جماعياًّ، بينما رفع الله تعالى بعد بعثة نبينا هذا الهلاك الجماعي، فاستفاد الناس من خلاصهم من مثل هذا العذاب، فكان ذلك نعمة دنيوية بالنسبة للكفار. يخاطب الله تعالى نبيه في هذا الخصوص فيقول: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (الأنفال: 33) .
أجل، فمن أجل حرمة صلى الله عليه وسلم رفع الله تعالى العذاب والهلاك الجماعي. وبينما كان النبي عيسى عليه السلام يقول لله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} (المائدة: 118) . نرى أن الله تعالى يقول لنبيه: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} .
فتأمل قدر صلى الله عليه وسلم ومنزلته عند الله، أي طالما أنت تعيش بينهم فلن يعذبهم الله. طالما أن ذكرك موجود، وتلهج به الألسنة، وطالما أن الناس يتبعون طريقك فلن يعذبهم الله ولن يهلكهم.
وإحدى الجهات التي استفاد الكفار من رسول ا صلى الله عليه وسلم هو أن الرسو صلى الله عليه وسلم يقول:"إني لم أُبعث لعّاناً، وإنما بُعثت رحمة". [17] أي إنني بعثت رحمة من قبل الله تعالى للناس أجمعين، ولم أبعث لكي أستمطر اللعنة والبلايا والمصائب على الناس. ولهذا تمنى رسول ا صلى الله عليه وسلم اهتداء ألدّ أعداء الإسلام، وبذل كل جهوده ومساعيه لتحقيق هذا.
حتى جبريل عليه السلام قد استفاد من النور الذي جاء به الرسو صلى الله عليه وسلم ، فقد سأله رسول ا صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يشير إلى القرآن:"هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟"قال:"نعم، كنت أخشى العاقبة، فأمنت لثناء الله عز وجل عليّ بقوله: {ذي قوة عند ذي العرش مكين * مُطاعٍ ثَمّ أمين} (التكوير: 20-21) " [18] .
ويقول الرسو صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:"أنا محمد وأحمد والمقفَّى [19] ، وأنا الحاشر [20] ، ونبي التوبة ونبي الرحمة". [21] وباب التوبة مفتوح حتى يوم القيامة؛ لأن رسول الله نبيُّ الرحمة والتوبة، ونبوته وحكمه ماض إلى يوم القيامة.
كان إذا رأى طفلاً أو صبيًّا يبكي جلس وبكى معه؛ إذ يشعر في وجدانه ألم الأم وعذابها. ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه نجد نموذج هذه الرحمة، وهذه الشفقة التي لهجت بها الألسن؛ إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وَجْد أمه به". [22]
كانت صلاة رسول ا صلى الله عليه وسلم طويلة، ولا سيما النوافل منها؛ إذ كانت تتجاوز طاقة الصحابة، ولكنه عندما يقف للصلاة يريد إطالتها ويسمع بكاء طفل في أثنائها؛ إذ به يخفف صلاته ويتَجوَّز فيها؛ ذلك لأن النساء كن يقفن للصلاة خلف رسول ا صلى الله عليه وسلم أي يشتركن في أداء صلاة الجماعة خلفه، فخوفاً من أن تكون أم ذلك الطفل موجودة بين المصليات فإنه كان يخفف صلاته، ويسرع بها لكي يريح قلب تلك الأم.
كان في كل مسألة نموذجًا للشفقة؛ فبكاء طفل كان يؤلمه، بل كان يبكيه. ولكن المهم هو أنه بكل شفقته الواسعة الباهرة، ورحمته كان متوازنًا، فمثلاً رحمته الواسعة هذه لم تكن حائلة أمامه في تطبيق الحدود الشرعية؛ مهما كان شكل هذه الحدود وكيفيتها.
جاءه أحد الصحابة وهو ماعز رضي الله عنه قائلاً له:"طهِّرْني يا رسول الله". فأعرض عنه رسول ا صلى الله عليه وسلم قائلاً له:"ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه". إلا أن ماعزاً كان يُصِرّ على التطهر ويطلبه. وعندما كرّر طلبه للمرة الرابعة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم"فيم أطهرك؟"، فقال ماعز: من الزنى يا رسول الله.
كان ماعز متزوجًا، أي محصنًا، وعقاب الزنى للمحصن هو القتل رجماً. ولكي يبقى هذا الأمر منقوشاً في الأذهان حتى يوم القيامة فقد التفت إلى من حوله سائلاً:"أبه جنون؟"فأُخبر أنه ليس بمجنون. وفي رواية: ما نعلمه إلا وفيّ العقل، من صالحينا فيما نرى.
فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم"أشَرب خمراً؟"فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم لماعز:"أزَنيت؟"فقال: نعم. فأمر برجمه، فسيق ماعز إلى المصلى لرجمه، فلما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لحي جمل فضربه فصرعه، فذُكر للنبي r فراره. فقال:"فهلاَّ تركتموه".
فكان الناس فيه فرقتين، فقائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئة، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة. فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول ا صلى الله عليه وسلم وهم جلوس، فسلّم ثم جلس فقال:"استغفروا لماعز بن مالك"فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم" [23] . كان رسول ا صلى الله عليه وسلم رجل موازنة، ولو فرضنا المستحيل وقلنا إن ماعزًا عاد للحياة، واقترف الذنب نفسه لكرر الرسو صلى الله عليه وسلم العقاب نفسه.