فهرس الكتاب
كان لدى بني مقرّن خادمة، فلطمها أحدهم، فجاءت تشتكي إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم باكية، فاستدعى الرسو صلى الله عليه وسلم مالكها قائلاً له:"أَعتِقوها"، فقالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال:"فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها، فليخلّوا سبيلها". [24] أجل، فلو بقي إثم هذه اللطمة الظالمة ليوم الحساب لكانت اللطمات هناك أشد وأقسى؛ لذا كان العتق هو بديل هذه اللطمة لكي تكن ديتها يوم القيامة عن عذاب جهنم [25] .
الشفقة مع الأطفال
أما شفقته على أطفاله فكان أمراً مختلفاً تماماً، فكثيراً ما ذهب إلى الأسرة التي ترضع ابنه إبراهيم، حيث يأخذه في حجره طويلاً، ويقبله ويعطف عليه [26] .
وعندما رأى الأقرع بن حابِس التميمي رسول ا صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن والحسين رضي الله عنه ويأخذهما في حضنه، قال:"إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلتُ منهم أحداً"، فنظر إليه رسول ا صلى الله عليه وسلم ثم قال:"من لا يَرْحم لا يُرحم" [27] .
وفي حديث آخر:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". [28] وجاء أعرابي إلى صلى الله عليه وسلم فقال: تقبّلون الصبيان؟ فما نقبّلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم"أوَ أملك لك إن نَزَع الله من قلبك الرحمة" [29] .
وكما كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يعطف على أقربائه، فإنه كان يعطف كذلك على أصدقائه القريبين منه أو البعيدين عنه. وفي رواية لابن عمر رضي الله عنه قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه صلى الله عليه وسلم يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعًا، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال:"قد قضى؟". قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى القوم بكاء صلى الله عليه وسلم بكوا. فقال:"ألا تسمعون، إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا"، وأشار إلى لسانه [30] .
أجل، إن الله لا يعذب بسبب دمع العين، على العكس من ذلك فهناك دموع يرفع الله بسببها العذاب، ففي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرُس في سبيل الله". [31] إحدى العينين عين الرهبان، والأخرى عين الفرسان.
ففي الليل كانوا رهباناً يذرفون الدموع في عبادتهم وسجودهم. وفي النهار كانوا فرساناً يصولون ويجولون ويهاجمون الأعداء كالأسود. دموع هؤلاء كانت دموع المؤمنين الحقيقيين، والصحابة كانوا من هذا النوع من المؤمنين: رهبان في الليل فرسان في النهار.
عندما أُخبر رسول ا صلى الله عليه وسلم بوفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه أسرع إلى بيته، فقد كان عثمان رضي الله عنه من الصحابة القريبين إلى قلبه. فبكى صلى الله عليه وسلم عليه بكاء كثيراً. ولكن عندما قالت زوجة عثمان رضي الله عنه: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه سلم:"وما يدريك أن الله أكرمه؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي" [32] .
أجل، لقد كان رجل توازن. فشفقته وبكاؤه لم يكن يمنعه من تصحيح خطأ. فالدموع التي سكبها على أحد أصحابه الأحبة؛ ما كانت لتحول بينه وبين تصحيح كلام مبالغ فيه أو خاطئ. فالوفاء شيء والحق شيء آخر. كان يزور شهداء أحد كل أسبوع [33] ، ولكنه لم يكن يقول: لقد طِرتم إلى الجنة. ولا يقولن أحد منا: إن لم يذهب هؤلاء إلى الجنة؟! نعم هذا هو الأمر.
ثم ألا تكفي الرتبة والمقام الذي أعطاه لكافل اليتيم دليلاً على شفقته الواسعة؟ انظروا ماذا يقول صلى الله عليه وسلم"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، ثم أشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئاً. [34] فكأن رسول ا صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول بأنه لن يدخل أحد بيني وبين كافل اليتيم في الجنة.
رحمة بالحيوانات.. أيضاً
كانت شفقته تشمل الحيوانات أيضاً، فقد مرّ سابقاً كيف أن امرأة دخلت النار بسبب هرة، وكيف أن بغياًّ دخلت الجنة بسبب سقيها الماء لكلب ظامئ. وهنا أنقل لكم حادثة أخرى بهذا الخصوص كخاتمة للموضوع:
عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، قال: كنا مع رسول ا صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته. فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذْنا فرخيْها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تَفْرُش، فجاء صلى الله عليه وسلم فقال:"من فَجَع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها" [35] .
أجل، لقد كانت شفقته تحتضن الحيوانات أيضًا. ثم ألا نتذكر أن الله تعالى عاتب أحد أنبيائه السابقين بسبب بيت نمل؟ إذ قام هذا النبي عن قصد أم عن دون قصد بحرق بيت نمل، فما لبث أن جاءه تأنيب من الله تعالى [36] .