فهرس الكتاب

الصفحة 11438 من 27364

ونبينا الذي نقل لنا هذه الحادثة وأمثالها من الحوادث الأخرى أيمكن أن يتصرف إلا هكذا..؟ وظهر فيما بعد في أمته أشخاص عندما يُمدحون يقال عنهم: إنه لا يؤذي حتى نملة. هؤلاء الأشخاص كانوا يعلقون أجراساً صغيرة على أقدامهم لكي تبتعد الحشرات عن طريقهم عند سماعها لصوت الأجراس، ولا تنسحق تحت الأقدام... يا إلهي..! ما هذه الشفقة العميقة والشاملة!! وما هذا الأنموذج الرائع للرحمة..!.

أجل، حتى النمل لم تخرج عن دائرة رحمت صلى الله عليه وسلم ولم تستثنَ منها. وهل يكون في مقدور إنسان يتحرج عن سحق نملة القيام بظلم الناس الآخرين؟ كلا، لا يستطيع هذا عن علم وعن قصد أبداً.

عندما كان r في"مِنًى"خرجت حية من بين بعض الصخور، فأسرع بعض الصحابة لقتلها، غير أنها استطاعت أن تنسلّ بين شقوق الصخور، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم الذي كان يراقب المنظر عن بُعد:"وقاها الله شرّكم، ووقاكم شرّها" [37] .

فالرسول كان يرى فيما هم به الصحابة شراًّ، والمقتول وإن كان حية إلا أن لها مكانًا أيضاً في نظام هذه الدنيا. فأي قتل غير ضروري سيضر بالتوازن البيئي، ويؤدي إلى أضرار لا يمكن تلافيها. والحقيقة أن إعلان الحرب على الحشرات باسم الزراعة والمحافظة عليها، يُعَدّ جريمة بالنسبة للتوازن البيئي، والغريب أن هذه الجرائم ترتكب اليوم باسم العلم.

يروي ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً أضجع شاة يريد أن يذبحها، وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"هلاَّ حددتَ شفرتك قبل أن تضجعها". [38] كان هذا بمثابة عتاب لذلك الشخص.

يروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول ا صلى الله عليه وسلم ، ثم قام بين يديه، فذرفت عيناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من صاحب هذا البعير؟"قالوا: فلان. فقال"ادعوه، فأتوا به"، فقال له رسول ا صلى الله عليه وسلم"يشكوك"فقال: يا رسول الله، هذا البعير كنا نسنو عليه منذ عشرين سنة، ثم أردنا نحره.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"شكا ذلك، بئسما جازيتموه، استعملتموه عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه، ورق جلده أردتم نحره بعينه"قال: بل هو لك يا رسول الله. فأمر به رسول ا صلى الله عليه وسلم فوجه نحو الظهر، أي الإبل [39] .

لقد كانت رحمة رسول ا صلى الله عليه وسلم وشفقته تتجاوز بكثير الرحمة المدعاة من قبل ما يطلق عليهم اليوم اسم"أنصار الإنسانية"، ولكنه استطاع أن يصون رحمته الواسعة من الإفراط ومن التفريط أيضاً، بفضل فطنته الكبيرة.

أجل، لم يتهاون أبداً مع أي شر أو إثم تحت اسم المرونة أو الرحمة أو المسامحة، ولم يدعْ له فرصة لوضع بنيانه ومد جذوره؛ لأنه كان يعرف جيداً أن أي مسامحة لمجرم أثيم ذي روح متوحش تعني الاعتداء على حقوق آلاف من الأبرياء.

ونعترف بكل أسى أن أيامنا الحالية مملوءة بمثل هذه الاعتداءات أكثر من أي عهد مضى. فقد رأينا بأم أعيننا إلى أي حال جرّنا هذا التسامح مع الفوضويين ومع أعداء عقائدنا وتراثنا وماضينا. ولا نزال نرى ذلك ونشاهده، وقلوبنا تتفطر ألماً.

فإن لم تستخدم الرحمة والشفقة بشكل متوازن أدى ذلك إلى نتائج وخيمة جداًّ في مستوى الفرد، وفي مستوى المجتمع ككل. بينما لا يمكن الإشارة إلى أي مثال على هذا الاستعمال السلبي للرحمة عند رسول ا صلى الله عليه وسلم .

أجل، لقد كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يحب الناس إلى درجة يكاد يتلف فيها نفسه، والقرآن الكريم يشير إلى هذا الأمر في بعض المواضع؛ إذ يقول: {فلعلك باخع نفسك [40] على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} (الكهف: 6) . هذا علماً بأنه عندما اقتربت منه نسائم النبوة كان معتكفاً في مغارة، وجاءه الوحي لأول مرة هناك. إذن، فقد كان يحب الناس، ونذر نفسه من أجل هذه الغاية.

* مقال مأخوذ من كتاب:"مفخرة الإنسانية: النور الخالد".

** من أشهر الدعاة في تركيا وواحد من أبرز المنظِّرين للفكر الدعوي بها. ولد في 27 نيسان عام 1941 في قرية صغيرة تابعة لقضاء (حسن قلعة) المرتبطة بمحافظة أرضروم، وهي قرية كوروجك ونشأ في عائلة متدينة، وكان والده (رامز أفندي) شخصاً مشهوداً له بالعلم والأدب والدين.

[1] الشفاء، للقاضي عياض 1/17.

[2] مجمع الزوائد، للهيثمي 10/216؛"كنز العمال"للهندي 4/244

[3] البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، السلام، 154

[4] البخاري، المساقاة، 9؛ مسلم، السلام، 151؛ الدارمي، الرقاق، 93؛"المسند"للإمام أحمد 2/507

[5] البخاري، المغازي، 23

[6] السيرة النبوية، لابن هشام 3/103

[7] البخاري، المغازي، 24؛ مسلم، الجهاد، 100، 101

[8] البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، الجهاد، 104، 105

[9] السيرة النبوية، لابن هشام 4/55؛"البداية والنهاية"لابن كثير 4/344

[10] البداية والنهاية، لابن كثير 3/321، 322؛"السيرة النبوية"لابن هشام 2/266

[11] البداية والنهاية، لابن كثير 3/322

[12] مسلم، الجهاد، 58؛ الترمذي، تفسير سورة (8) 3؛"المسند"للإمام أحمد 1/32؛"السيرة النبوية"لابن هشام 2/279؛"البداية والنهاية"لابن كثير 3/332

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت