فهرس الكتاب
يقول ابن تيمية - رحمه الله - عن لفظ الزندقة:"هو لفظ أعجمي معرَّب ، أُخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام ، وعُرب .." [16] ..
ويقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن أصل الزنادقة:"أصل الزنادقة أتباع دَيْصان ، ثم مانيّ ثم مزدَك وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان ، وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما ، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ، ومن كان من أهل الخير فهو من النور" [17] .
ويذكر بعض المؤرخين أن زرادشت أتى بكتاب"البستاه"، فمن أعرض عنه ، وعدل إلى التأويل الذي هو الزند قالوا الزندي ، فلما جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس ، وقالوا زنديق وعربوه.
وقد عدَّ الإمام الملطي - رحمه الله - الزنادقة أول الطوائف افتراقاً ، ثم ذكر فرق الزنادقة فقال:"أول من افترق من هذه المذاهب: الزنادقة ، وهم خمس فرق المعطلة والمانوية والمزدكية والهبدكية والروحانية" [18] . وقال الجاحظ: إن الزندقة فشت في النصارى فقال:"ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة ، ويناسب في بعض الوجوه قول الدهرية ، وهم من أسباب كل حيرة وشبهة. والدليل على ذلك أنَّا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى ، ولا أكثر متحيراً أو مترنحاً منهم.." [19] .
إطلاقات الزندقة ومعانيها في الإسلام:
استخدم هذا المصطلح في معانٍ متعددة .. فبعضهم يطلقه على الثنوية المجوس ، وهو موجود في بعض معاجم اللغة العربية مثل تاج العروس ( مادة ز ن ق ، فصل الزاي من باب القاف) ومختار الصحاح (مادة ز ن د ق) وغيرهما ، وربما أطلق الزنديق على الدهري كما في لسان العرب [20] ، ومنهم من يطلقه على من لا يؤمن بالله واليوم الآخر كما ذكر ذلك ابن القيم في إغاثة اللهفان [21] ، ونجد أن الفقهاء يطلقون الزنديق على المنافق ، يقول ابن تيمية - رحمه الله -:"فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته ، فالمراد به عندهم المنافق ، الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر" [22] .
ويقول الحافظ ابن حجر:"ثم أُطلق الاسم (الزنديق) على كل من أسرَّ الكفر وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون ، وكذا وأطلقت جماعة من فقهاء الشافعية وغيرهم: أن الزنديق هو الذي يسرّ الإسلام ويخفي الكفر" [23] وبعض علماء السلف يطلقه على الجهمية ، كما يفعل ذلك الإمام عثمان بن سعيد الدارِمي (ت 282 هـ) في كتابه"الرد على الجهيية" [24] ، وفي كتابه"النقض على بشر المريسي" [25] . وقد يُرمى صاحب المجون والفحش بالزندقة [26] .
عقائدهم:
إن عقائد الزنادقة قد تضمنت كماً هائلاً من صنوف الكفر الصريح ، والردة الظاهرة ، كقولهم بالحلول ، وتأليه البشر ، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه ، وإنكار النبوة أحياناً ، وادعاء النبوة أحياناً أخرى! والقول بالتناسخ ، وإنكار القيامة والجنة والنار ، واستحلال المحرمات وجحد الواجبات .. [27] .
آثارهم:
خلَّف الزنادقة آثاراً سيئة وعواقب وخيمة على الأمة المسلمة ، فأشعلوا ثورات سياسية وأفسدوا البلاد والعباد ، كما فعلت القرامطة والإسماعيلية والمقنعية ، وغيرهم من فرق الزنادقة. كما أن بعض الفرق الإسلامية قد تزندقت ، وخرجت من دين الإسلام ، كما هو الحال في غلاة الشيعة ، والخطابية من المعتزلة ، والاتحادية من المتصوفة وغير ذلك.
اتخذ الزنادقة التشيع مطية ذلولاً في نشر مذهبهم ، يقول ابن تيمية - رحمه الله - عن الشيعة:"ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد ، فملاحدة الإسماعيلية وغيرهم من الباطنية المنافقين ، من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا ، واستولوا على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال ، وسفكوا الدم الحرام.. إذ كان أصل المذهب من إحداث الزنادقة المنافقين الذين عاقبهم في حياته علي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - فحرَّق منهم طائفة بالنار ، وطلب قتل بعضهم ففروا من سيفه البتار" [28] .
من جهود الخلفاء في محاربة الزنادقة:
اجتهد الخلفاء في تتبُّع الزنادقة والقضاء عليهم واستئصالهم ، حفاظاً على الدين وأهله.. فهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يأمر بإحراق الزنادقة كما روى البخاري [29] ، واشتهر الخليفة العباسي المهدي بالعناية بذلك ، حيث عين رجلاً ليتولى أمور الزنادقة. ويقول ابن كثير - في حوادث سنة 167هـ -:"وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه" [30] .
ووصى المهدي ابنه موسى الهادي الخليفة من بعده بذلك.. وقد أنفذ الهادي تلك الوصية، يقول ابن كثير - في حوادث سنة 169هـ:"وسعى الهادي في تطلب الزنادقة من الآفاق، فقتل منهم طائفة كثيرة واقتدى في ذلك بأبيه" [31] .
كلمة في أهمية الموضوع:
تظهر أهمية هذا الموضوع لعدة أمور ، منها: