فما لم يقع الحوار ويطلع كل طرف على ما لدى الآخر عن كثب لا يمكن أن تقع مصالحة، فالمصالحة لا تكون إلا بعد المصارحة؛ فلذلك دعونا أولاً إلى حوار شامل ليس فيه إقصاء لأي طرف، يقدم فيه كل طرف اقتراحاته، والحلول التي يراها، وتناقش على حد سواء، على أن يكون كل طرف مستعداً للتنازل عن بعض آرائه في هذا الوقت الحرج للمصلحة الكبرى للوطن، ولابد قبل الحوار من إيجاد أجواء من الثقة المتبادلة، التي تستدعي من كل طرف بعض الخطوات الضرورية ..فمن طرف النظام لا بد من الاعتراف بشركائه في هذا الوطن والبلد من مختلف الحساسيات السياسية، ولا بد أن يدرك أيضا أنهم وطنيون، وأنهم يريدون مصلحة الوطن، وأن لهم أطروحاتهم وآراءهم في مختلف القضايا، ولا بد أن تُسمع هذه المقترحات وتُناقش على محك العدل والإنصاف..وفي مقابل ذلك يتحتم أيضاً من طرف المعارضة بمختلف أطيافها القيام ببعض الخطوات المطمئنة اللازمة ..تقتضي أولاً تهدئة ونقصاً من حدة الخطاب، ولغة التشنّج ..حتى تتوفر أرضية صلبة للتفاوض،.. وإذا حصل ذلك فينبغي أن تعقبه خطوات أخرى بناءة تؤدي إلى جمع الشمل من مثل إصدار عفو عام، وتحقيق انفتاح، وديمقراطية حقيقية ينال فيها كل طرف حريته في تشكيل ما شاء من الأحزاب والجمعيات والنوادي، وكذلك حرية الصحافة وعدم مصادرتها، وكذلك إتاحة الفرصة للجميع على حد سواء أثناء الانتخابات وبإشراف هيئة أو لجنة مستقلة عليها، ،كل ذلك خطوات نراها بناءة إذا حصلت، وحينها سيكون سكان هذا البلد مستعدين للتعاون والتشاور، وهذه المصالحة لا يظهر في الأفق أي انفراج ما لم تقع، ولا يمكن أن يستمر هذا الاختلال؛ فلابد أن يغلب العقل الهوى، وأن تغلب المصلحة المفسدة،كما لابد أن يتراجع عقلاء كل طرف حتى يجتمعوا على كلمة سواء لتحقيق مصلحة هذا البلد؛ فالاستمرار في الخطأ أعظم ضرراً من أصل من وقوعه، ولذلك فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-كتب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، فهُديت فيه إلى رشدك أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وقد قال أحد الحكماء:
ليس من أخطأ الصواب بمخط … …
أن يؤب لا ولا عليه ملامه
إنما المخطئ المسيء إذا ما … …
ظهر الحق لجّ يحمي كلامه
حسنات الرجوع تذهب عنه … …
سيئات الخطا وتنفي الملامة
ونحن ما زلنا نؤكد على هذه الدعوة إلى المصالحة الوطنية ولا يتأثر موقفنا بمثل هذه الأحداث والضغوط؛ فمواقفنا إنما نتخذها في ضوء ديننا، وما يدعونا إليه الإسلام والحق، فلذلك لا يُخشى أن نتأثر بمثل هذه المضايقات.
التقارير الطبية أكدت أنكم بحاجة ماسّة للعلاج في الخارج ..ما حقيقة وضعكم الصحي، وهل أثرت فيه ظروف الاعتقال سلباً؟
نحمد الله على كل حال ..فأنا أعاني منذ فترة من قرحتين في المعدة و إحداهما على العرق الأساسي فيها، ولذلك ينشأ عنها في الكثير من الأحيان نزيف داخلي يؤدي إلى تقيّؤ الدم، وليس لذلك علاج هنا، فالمستشفيات ما زالت متخلفة إلى حد بعيد، ولا يوجد فيها علاج لهذا النوع من الأمراض، ولا شك أن الاعتقال يؤثر في هذا النوع من الحالات؛ لأن القرحة المعدية من أسبابها النشاط البكتيري الذي يؤدي إليه السهر، وكذلك روائح الدخان ونحوه وهذه أمور لابد للمعتقل منها، فلذلك تأثرت فعلاً في المعتقل جراء السهر ورائحة الدخان؛ مما أدى لزيادة عمق هذه القرحة وزيادة المرض، وإلى الآن ما زال جوازي محجوزاً لدى إدارة أمن الدولة، وغير مسموح لي بالسفر إلى أي بلد من بلدان العالم، رغم كون هذا مخالف للقانون ..ولم يصدر فيه أمر من المحكمة كما أنه مخالف لدستور البلاد الذي ينص على كفالة حرية التنقل لجميع أفراد هذا الشعب.
كيف كانت ظروف الاعتقال (لدى الشرطة والقضاء معاً) ؟ وهل كنتم تقومون بأنشطة دعوية داخل السجن؟ وما حجم التجاوب معها في أوساط السجناء؟
كانت الفترة الأولى وهي 15 يوماً في مفوضية الميناء رقم 2 في زنزانات انفرادية، في العشر الأواخر من رمضان وبداية شوال، لم يكن فيها -ولله الحمد- كثير عناء لأننا كنا نريد الاعتكاف والزنزانة الانفرادية أقرب شيء إلى الاعتكاف، فلم يكن فيها ما يشغل الإنسان عن الاعتكاف إلا بعض الأمور اليسيرة مثل: محاولتهم منع الأذان الذي كنا نرفعه ليسمع بعضنا بعضاً، وبالأخص في التراويح حيث كان بعض الإخوة يقتدون بي، وكذلك بعض أهل الشارع إذا كان بعضهم يصطف في محال تجارية مجاورة للمفوضية فيصلون معنا التراويح، ولولا الأذان لما أدركوا ذلك، ولما علموا به، ولكن الشرطة لم يفلحوا في ثنينا عنه، فلم يكن منهم إلا الإذعان لذلك وقبوله، ولم يكن تعاملهم معنا على درجة واحدة، وإن كان في أغلبه يطبعه الاحترام.