فهرس الكتاب

الصفحة 11797 من 27364

أما ظروف الاعتقال في المرحلة الثانية في السجن المدني وهو السجن المركزي في نواكشوط، وهو سجن قديم يجمع كثيراً من المعتقلين، كثير منهم من سجناء الحق العام كالقتلة وأصحاب المخدرات والخمور وفيه المسلمون وغير المسلمين والمواطنون والأجانب، وهو عبارة عن معتقلات كبيرة، وقد كنا في المعتقل الثالث منها، وأكثر الذين فيه من المحكوم عليهم قصاصاً في القتل ونحوه، وهذه الأحكام تصدر عن المحاكم ولكن لا تنفذ، فكل الحدود موقوفة عندنا تحكم بها المحاكم ولكن لا تنفذ؛ فلذلك كثير من الذين حكم عليهم بالقتل في حد من حدود الله أو بالقصاص أو الذين حكم عليهم بقطع اليد، ونحو ذلك هم مسجونون سجناً طويلاً، لا يدرون ما نهايته؛ لأن الحدود موقوفة، والسجناء أنواع منوعة، فمنهم المظلومون الذين أدخلوا وأودعوا السجن،فنُسي أمرهم أو تنوسي، ومنهم مجرمون محترفون مشاهير، ومنهم الذين تعرضوا لتصفيات سياسية فليست لديهم قضايا، وهكذا فهم أنواع منوعة، والمعتقل الذي كنا فيه بداية كان فيه واحد وخمسون معتقلاً سوانا كان أغلبهم لا يصلّون، ولا اهتمام لهم بأمر الدين، فقمنا ببعض الأنشطة، ومنها إقامة الصلاة والجمعة، وكانت لأول مرة تُصلّى في السجن، وكانوا يصلون معنا جميعاً،و بعضهم يقوم الليل، ونظّمنا دروساً يومية دائمة، وصلاة الجمعة والجماعة، وكانت تلك الأنشطة سبباً لتوبتهم ورجوعهم، وأسلم في هذه الفترة شخصان من السجناء كانا كافرين، وحصل فيها انسجام تام مع السجناء حتى من خارج المعتقل الذي نحن فيه؛ فالسجن يضم سبع معتقلات وتفتح أبوابه الداخلية ساعتين يومياً ليزور كل أصحاب المعتقل المعتقلات الأخرى؛ ليسأل من هو محتاج للسؤال، وليعمل من يجد عملاً، ووجدنا -ولله الحمد- طرقاً لإطلاق سراح الكثير منهم عن طريق المحامين المتطوعين؛ لأن الكثير منهم اعتقلوا وأُودعوا السجن، ونُسيت قضيتهم فينقضي زمن لا يُحكم فيها، ولا تُعرض على القضاء وهم مظلومون،وتمّت محاكمة البعض الآخر ممن كان لا يطمع في المحاكمة، وكنا أيضا نكتب الدروس لبعض السجناء لتقديمها لزملائهم، ،وقد اشترينا بعض الألواح من أجل تعليمهم، وقمنا كذلك بتوزيع بعض الأشرطة والكتب الصغيرة، واستفادوا كثيراً من هذه الأنشطة، إلى جانب ذلك كان هناك عمل اجتماعي، وبعض المساعدات العينية التي وزّعناها على المعتقلين، وكنا نحن أنفسنا في ضيافة سكان هذه المدينة الكريمة نواكشوط وفي كل يوم هناك ضيافة من أسرة كريمة أو قبيلة من القبائل..وبعد إخراجنا من هذا المعتقل بعد شهر تقريباً جُعلنا في غرف مستقلة عن المعتقلات، وحُرمنا لقاء السجناء، وصُودرت منا الأجهزة والأشرطة، وصُودر كذلك أكثر من (57) جهاز تسجيل من السجناء خشية أن يسمعوا الدروس والمحاضرات، وحُرمنا من تسجيل الدروس والخطب، وكنا لا نلتقي مع المساجين إلا من خلال تعاون بعض أفراد الحرس، أو بالتعاون المتبادل بينهم وبين بعض السجناء.

والطابع العام للسجناء أنهم يعيشون ظروفاً صعبة جداً؛ فكثير منهم يشكو الجوع والأمراض، ويحتاجون إلى من يمد لهم يد المساعدة والعون، وللأسف لا يجدون إلا بعض المنظمات التنصيرية التي لها انتقاء واختيار، فتختار بعض الأشخاص فقط ولا تعتني بالبقية، وقد علمنا فيما بعد أن هذه المنظمات تدخلت فعُزلنا في غرفة مستقلة وحتى في فترة العزل هذه أسلم أيضاً بعض الأفراد، ونوقش مع البعض الآخر، ولم يدخل بعد الإسلام، ولكن قطعنا معهم خطوات في سبيل ذلك.

هل تأثير المنظمات التنصيرية ملموس في السجن؟ أي هل تحوّل بعض السجناء إلى اعتناق غير الإسلام؟

بالنسبة للتحول فالله أعلم به، ولكن كثير من المظاهر التي شاهدناها تدل على ذلك، فبعض السجناء يعلقون بعض الشعارات ويرسمون بعض الصلبان على أجسامهم بواسطة الوشم، ويعلقون بعضها أيضاً ومع ذلك فإن اعتناق البعض للعقيدة التي تدعو لها هذه المنظمات لا يعني أنه ملتزم بالديانة المسيحية أو غيرها؛ فالالتزام لا يُطلب من السجناء فهم غير ملتزمين بشيء بل يوجد بينهم من أنواع الأخلاقيات أشياء رهيبة جداً، فمثلاً كان أحدهم محكوماً عليه بخمس سنوات في جريمة وفي الأسبوع الذي سيخرج فيه من المعتقل سرقت له أحذية من البلاستيك الرخيص فاتهم بها سجيناً آخر فضربه على رأسه حتى قتله، وآخر آذاه أحد السجناء فأخذ قدراً فيه بقايا الزيت الذي يطبخ به فوضعه على النار حتى غلا ثم صبه على هذا السجين وهو نائم ... ناهيك عن المخدرات وأنواع الفساد الأخرى، وفي الآونة الأخيرة كان بعض السجناء يُستغلون لتنظيف مخزن قديم من مخازن السجن فوجدوا بعض حبوب المخدرات التي قد انتهى تاريخها منذ فترة فبيعت في السجن فاستعملها عدد من السجناء فأثرت فيهم تأثيراً كبيراً .

يتهمكم النظام بالتطرف والغلو والتحريض على الكراهية من خلال محاضراتكم، وأنشطتكم الدعوية، وفتاواكم؛ خصوصاً تلك المتعلقة منها بحرمة التطبيع، ووجوب المقاطعة الشاملة للعدو؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت