فهرس الكتاب
وبناءً على ما تقدمَ ، فلابدَّ للأمة ِأن تتربى وتُربي أجيالَها على الجهادِ في سبيلِ الله مادياً ومعنوياً، وذلك من خلالِ: إحياءِ روحِ الولاءِ والبراءِ في نفوسِ الناشئة، وتحديدِ الأعداءِ بشكلٍ واضحٍ لا لبَس فيه، وأنَّ الجهادَ في سبيلِ الله ذروةُ سنامِ الإسلام ، والزهدِ في الدنيا والتقللِ منها، ومعرفةِ قدرِها عندَ الله،، وأنَّها معبرٌ إلى الآخرة. وبناءِ الأجسامِ وتعويدِها على الصبِر والتحمل، وتربيةِ الناشئةِ على آياتِ الجهادِ، وغزواتِ المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وأهازيجِ الجهادِ ،وحين تصلُ الأمةُ إلى هذا المستوى، وتغيرُ ما بها فإنَّ الله سينصرُها ويمكنُ لها في الأرضِ، لتعودَ لها القيادةُ والسيادةُ، ويتحققَ وعودُ الله لهذا الأمة، حيثُ إنَّ ظهورَ الكفارِ على المسلمين وضعٌ استثنائي كما قال تعالى: (( وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) ) (سورة النساء:141) .
بارك الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
يقول الله تعالى: (( لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )مع عظمِ النازلةِ وشدةِ الكربِ، إلاَّ أنَّ لله منناً في طياتِ المِحن، فكم في هذهِ الأحداثِ من النعمِ العظيمة ، والآثارِ الحسنةِ، ومن ذلك:
أولاً: ظهورُ عداوةِ اليهودِ للمسلمين بعد أن كادَ المسلمون يذوبونَ في المجتمعِ اليهودي، نتيجةً للتمازجِ بينهما وكثرةِ التعامل، فجاءت هذه الأحداثُ لتميزَ بين المسلمين والكفار، وتُظْهَرَ اليهودَ على حقيقتهِم الحاقدة ، ممَّا أعادَ الروحَ العدائيةَ لليهودِ إلى قلوبِ أبناءِ الشعبِ الفلسطيني المسلم .
ثانياً: كشفتِ الأحداثُ عن معدنِ الشعبِ الفلسطيني الصامدِ، وأنَّهُ على استعدادٍ للمقاومةِ إلى آخرِ قطرةٍ من دمه، والبطولاتُ والمواقفُ العظيمةُ التي وقعت في جنين وسائرِ الأرضِ المباركةِ ، تبينُ أنَّ الحقَ لا يُغلَبُ ولا ينحني ، لقد شاركَ الأطفالُ والنساءُ في المقاومةِ ، وصبروا على شدةِ الكربِ وعظمِ البلاءِ الذي نزلَ بهم ، وكان بإمكانِهم تسليمُ المخيمِ، والاستسلامُ للعدو، ولكن كان إيمانُهم يأبى عليهم ذلك، ومروءُتهم وشهامتُهم لا تحتملُ الذلَ لأحفادِ القردةِ والخنازير .
لقد هُزِم اليهودُ في جنين مع ما يملِكُون من ترسانةٍٍ ضخمةٍ من الدباباتِ والطائراتِ الأمريكيةِ وأنواعِ السلاح، هُزموا عسكرياً وأخلاقياً، هزموا بجميعِ المقاييس، لقد عجزوا عن اقتحامِ المخيمِ لمدةِ تسعةِ أيام، وهُم الذين قد هَزموا الجيوشَ العربيةَ في ستةِ أيام !! ولم يتمكنوا من دخولِ المخيمِ إلاَّ بعد نفاذِ الذخيرة، وهُزموا أخلاقياً حين قَتلوا المجاهدين بعد نفاذِ ذخيرتِهم وذبحهِم للمئاتِ من المدنيين من أطفالٍ وشيوخٍ ونساءٍ، في مذابحَ جماعيةٍ بدمٍ بارد ، وغدرهِم بالأسرى، وتدميرِهم للبيوتِ والمنشآتِ، وهذا يبرهِنُ أنَّهم كانوا وحوشاً ضاريةً بلا دينٍ ولا خلقٍ، ولا ضمير، ومنعهُم إسعافَ المصابيَن وحرمانُ المسلمينَ من دفنِ شهدائِهم، والحظرُ الإعلامي على نقلِ صورةِ المعركةِ يدلُ على أنَّهم هُزموا .
ثالثاً: كانت الأحداثُ فرصةً لتربيةِ الشبابِ وتدريبهم، وإعدادهِم للمعركةِ من أرضِ الواقع، وبدأ الشبابُ ينضجُ في أتونِ المحنة، ويتدربُ ويكسبُ المهاراتِ القتالية، وأصبحَ الجهادُ واقعاً حياً ، وقوافلُ الشهداءِ تمرُ مسرعةً لتُحيي مَنْ ورائَها أعداداً كبيرةً من الشبابِ يسيرون في إثرهِا .
رابعاً: لقد استطاعَ أبطالُ الجهادِ أن يحققوا مكاسبَ عظيمة ، وإنجازاتٍ باهرة ، مع قلةِ الإمكانات، وضعفِ الأسلحةِ المتداولةِ بينهم، فقد استطاعوا أن يُرحِّلوا في غضونِ الأحداثِ الماضيةِ قرابةَ المليونِ من بني صهيون، لفقدانِهم الأمن، فكلُ فلسطينيٍ يمشي على الأرضِ أصبحَ يرعبُهم، زادهم اللهُ رعباً وهلعاً، ولأنَّ حكومةَ يهودٍ تمنعُ من الرحيلِ خارجَ فلسطين، فإنَّ قُرابةَ مائتي ألفِ يهوديٍ انتهزَ عيدَ الفصحِ ليخرجَ من فلسطين بحجةِ المشاركةِ في هذا العيد، وبالرغمِ من الملاحقاتِ والمضايقاتِ، إلاَّ أنَّ أبطالَ الجهادِ لا يزالون يحاولون تصنيعَ الأسلحةِ لمقاومةِ الدروعِ والدباباتِ، فنسألُ الله تعالى أن ييسرَ أمرَهم ، ويفرَج همهم .
خامساً: وبالرغمِ من عظمِ المصاب ، وجلالةِ الخطب إلاّ أنَّ في ذلك إشارةً لبشارةٍ أخبرنا الله تعالى بها فقال: (( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) ) (سورة آل عمران: 142,141) .