فهرس الكتاب
ورأى كاتب المقال عبد الباري عطوان أن هذا الانقلاب أعاد الاعتبار للمؤسسة العسكرية العربية التي جرى تهميشها وإلغاء دورها الذي تأسست من أجله وهو الدفاع عن الأمة وقضاياها المصيرية، وأنه إذا كانت الشعوب هي المعيار الذي لا يخطئ، فإن مهرجانات الفرح التي عمت المدن الموريتانية هي استفتاء حقيقي عفوي على هذا التغيير.
وتساءل في هذا السياق، أيهما كان أفضل أن يتم التغيير في العراق من الداخل، ومن قبل قوى شعبية أو حتى عسكرية، أم على غرار ما هو حادث حاليا، حيث دفع الشعب العراقي ثمنا باهظا جدا، تجاوز 100 ألف شهيد و400 ألف جريح على الأقل، وخلف حالا من الفوضى وعدم الاستقرار، وانهيارا شبه كامل للوحدة الوطنية.
وقال عطوان"إننا نأمل أن تنتقل عدوى الانقلاب الموريتاني هذا إلى دول عربية أخري، استعصت أنظمتها الدكتاتورية على الإصلاح، خاصة تلك التي نفت وجود شيء اسمه الشعب، وبدأت تحضر نسلها للخلافة، وكأن البلاد باتت مزرعة خاصة لها ولأبنائها وأحفادها والبطانة الفاسدة الملتفة حولهم."
أسباب الانقلاب:
لم يعلن قادة الانقلاب الجديد الذين لم تكشف هويتهم بعد عن أسباب قيامهم بهذه المحاولة، غير أن سياسات 'معاوية ولد الطايع' على الصعيد الداخلي والخارجي أوجدت بيئة وظروف وأسباب تهيئ للانقلاب ونستطيع أن نحصرها فيما يلي:
التضييق على الحريات الدينية والمدنية:
1-شهد عهد معاوية ولد الطايع قمعًا سياسيًا شديدًا، ورغم التعددية الحزبية في موريتانيا، إلا إن ذلك لم يعد كونه ديكورًا سياسيًا يتزين به نظام معاوية ولد الطايع، وبعد المحاولة الانقلابية في ربيع الثاني 1424 هـ شهدت موريتانيا حملة اعتقالات غير مسبوقة، طالت المئات بل الألوف من أبناء الشعب الموريتاني بتهمة المشاركة في الانقلاب، وكان النصيب الأكبر من هذه الاعتقالات للإسلاميين الموريتانيين وذلك لتيقن ولد الطايع من أن المعارضة الحقيقية لحكومته تتمثل في الإسلاميين، لذلك شن عليهم حملة شعواء طالت جميع فئات الإسلاميين وجميع رموزهم، ورغم المناشدات الخارجية والداخلية لم ينج منها العالم الإسلامي محمد ولد الددو، إضافة إلى الإجراءات التي استهدفت الشعائر الإسلامية ومنها منع الدروس والخطب عدا خطبة الجمعة، وتغيير الإجازة الأسبوعية، وبالتأكيد فإن مثل هذه الأمور أشعلت الغضب في نفوس الموريتانيين المشهورين بالتزامهم الديني.
إضافة إلى ذلك، لا نستطيع تجاهل رفض الحكومة الموريتانية خيار الحوار والحل السلمي مع المعارضة، وهو الخيار الذي طرحته طوائف من المعارضة على رأسهم الإسلاميون إلا إن رد الحكومة على هذا الطرح كان المزيد من الاعتقالات والمزيد من المحاكمات لقادة المعارضة، مما جعل الشعب الموريتاني يوقن أنه لا سبيل للتغيير عبر الطرق السلمية، خاصة مع لجوء الحكومة الموريتانية لتزوير الانتخابات الرئاسية قبل عامين من أجل تفويت الفرصة على مرشح الإسلاميين 'محمد خونا ولد هيدالة' والذي لم تتردد في اعتقاله عقب إعلان نتائج الانتخابات.
ومن أبرز الشواهد على ذلك إن السلطات الموريتانية حظرت الخطب والدروس الدينية في المساجد ما عدا خطبة يوم الجمعة. وقالت مصادر مطلعة إن الحظر يهدف لوقف ما أسمته الفوضى في المساجد. وامتد الأمر إلى إغلاق المعاهد والمراكز الإسلامية واتخذت الحكومة الموريتانية كذلك إجراءات متشددة ضد العديد من المنظمات الخيرية.
2-الأوضاع الاقتصادية:
بالتأكيد أنه عندما يسوء النظام السياسي، فإن ذلك يؤثر بالتبع على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فمعاوية ولد الطايع سعى لإيجاد قاعدة من المنتفعين حوله يستند إليهم ويعتمد عليهم، ومقابل ذلك فتح لهم الباب من أجل استنزاف ثروات البلاد، مما تسبب في أوضاع اقتصادية واجتماعية مزرية، إضافة إلى عدم تجاوب الحكومة مع تحقيق المطالب الاجتماعية المتزايدة التي ظهرت مع تحول المجتمع الموريتاني من مجتمع بدوي إلى مجتمع حضري، ما تسبب في أوضاع اقتصادية لا يرى عنها الشعب الموريتاني.
2-التطبيع مع إسرائيل:
تختلف كل الشعوب الإسلامية والعربية مع حكوماتها بشأن الموقف من إسرائيل، فبينما ترى بعض الحكومات العربية أن السلام من إسرائيل أمر لابد منه إلا إنه يتزايد رفض الشعوب لهذا الأمر، ويتجلى الأمر واضحًا لدى الشعب الموريتاني الذي لا يجد أي مبرر أو دافع لعلاقة موريتانيا مع إسرائيل سوى محاولة النظام الاستقواء بالخارج، وهو ما زاد من الحنق الشعبي تجاه نظام 'معاوية ولد الطايع'، وهو من الدوافع كذلك التي أعلنها منفذو المحاولة الانقلابية في ربيع الثاني 1424 ، وفي ذلك يقول وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفان شالوم قبل زيارة قام بها إلى موريتانيا في مايو الماضي: 'إنها زيارة مهمة إلى بلد رفض قطع علاقاته مع إسرائيل مع بدء الانتفاضة في شعبان من العام هـ1420، على عكس مصر والأردن والمغرب وقطر وتونس، لقد تحملت موريتانيا ما لا يمكن تحمله، بما في ذلك محاولتان انقلابيتان طالب مدبروهما بقطع العلاقات مع إسرائيل'، وبالتأكيد فإن مثل هذه الكلمات كافية لتأجيج الغضب لدى الشعب الموريتاني.