فهرس الكتاب

الصفحة 11859 من 27364

لقد خدعَ العلمانيون الأمةَ دهوراً بشعاراتِهم الثوريةِ عن تحريرِ فلسطين ، كلِّ فلسطين ، وأوهموها بعدمِ التفريطِ في شبرٍ من الأرضِ، أو حبةٍ من الرمل ، ثم فاجئوها باعترافهِم لليهودِ بملكيةِ ثلثي فلسطين ، وبحقهِم في العيشِ فيها بسلام ، وذلك عندما أبرمتْ مصرُ معهم معاهدةَ كامب ديفيد، التي خرجت بمقتضاها من دائرةِ الصراعِ مع اليهود، معترفةً بهم كدولةٍ مستقلةٍ ذاتِ سيادةٍ على ما استولت عليه من أرضِ فلسطين ، ثم تتابعتْ الدولُ العربيةُ الواحدةُ تلو الأخرى في هذا الاعتراف ، حتى أصبحَ من لا يعترفُ بذلك خارجاً على الإجماعِ العربيِ، المتوجهِ بإصرارٍ حولَ ما يُسمى بـ الخيارِ الاستراتيجيِ للسلام )، وتجاهلَ هؤلاءِ أنَّ السلامَ الدائمَ والشاملَ مستحيلٌ مع قومٍ قال الله تعالى عنهم: (( كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ) (سورة المائدة:64) .

وتناسى هؤلاءِ أنَّ اليهودَ الذي أرادوهم جيراناً وأصدقاءَ، هُم أخبثُ الألداءِ ، وأشدُّ الأعداء، (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) ) (سورة المائدة:82) ، نسىَّ العربُ هذا أو تناسوهُ، وساروا جادين في طريقِ السلامِ عَقْداً كاملاً من الزمان .

وتسببَ هذا الوهمُ المزعومُ عن حتميةِ السلامِ مع اليهود،ِ في حالةٍ من الاسترخاءِ على المستوى السياسي، والترهلِ على المستوي العسكري ، وعدمِ الجدِّ على المستوى الاقتصادي، والانهزامِ على المستوى الثقافي، استعداداً لعصرِ السلامِ والتطبيعِ مع أبناءِ العمومةِ !! وأصحابِ الجوار، وشركاءِ الشرقِ أوسطيةِ الجديدة ، حتى فاجأهم اليهودُ بنقضِ كلِّ العهود .

الوقفة الثانية: ماذا تغيرَ من اليهود ؟

نقولُ هُنا أيُّها الأخوةُ في الله: إنَّ الأفاعيَ قد تُغَيرُ جلدَها ، ولكن لا تتنازلُ عن السمومِ بين أنيابِها ، وما لم تُنزعْ تلك الأسنانُ أو تفرغْ تلك السموم ، فإنَّ تلك الأفاعيَ تظلُ خطراً قائماً، إنَّ اليهودَ منذُ جاءوا إلى فلسطين ، وهم يعرفون لم جاءوا ، ويعزمون على المضيِ فيما لأجلهِ قدموا ، فلماذا جاءوا ؟ وهل لا يزالونَ جادين فيما جاءوا من أجله؟

أيُّها الأخوة في الله:

إنَّ اليهودَ ما جاءوا إلى فلسطينَ إلا لأهدافٍ دينيةٍ اعتقاديه، مستمدةٍ من توراتهِم المحرفة ، وتلمودهِم المخترع ، إنهم يزعمون أنَّ نبياً لهم سيخرجُ في آخرِ الزمان، وأنَّ من واجبهِم أن يُهيئوا الدنيا لمخرجهِ، وذلك لن يتمَّ ـ كما هو مسجلٌ في كتبهِم القديمةِ والمعاصرة ـ إلاَّ بأن يعودوا إلى الأرضِ المقدسةِ التي سكنُوها أيامَ داودَ وسليمانَ- عليهما السلام- ، ثمَّ يقيموا فيها دولتَهم ، ويتخذوا في القدسِ عاصمتَهم ، ثُمَّ يتهيئون بعد ذلك لاستعادةِ قبلتِهُمُ التي كانوا عليها، والتي هُدِمت قبل ألفي عام، والتي يدعونَها بالهيكلِ الثالث، هيكلِ سليمانَ- عليه السلام- ، ذلك المعبدُ الذي يعتقدُ اليهودُ أنَّهُ كان قائماً مكانَ المسجدِ الأقصى، ولذا يعلنون في عزمٍ جازم ، وحسمٍ مُؤكد أنهم لابدَّ أن يستعيدوا بناءَهُ لإعادةِ تلك القبلةِ المنسوخةِ، التي نُسِخت بنسخِ ديانتهِم الباطلة .

أمةَ الإسلام:

إنَّ اليهودَ قد عادوا في القرنِ الماضي إلى الأرضِ المقدسة، وأعلنوا فيها دولتَهم، واتخذوا فيها عاصمتَهم، وهم يتهيئون الآن لإعادةِ قبلتهم، وما الأخبارُ التي سمعناها منذُ مدةٍ قريبةٍ عن سماحِ الحكومةِ الإسرائيليةِ للمتدينينَ اليهودِ بوضعِ حجرِ الأساسِ لما يسمى بـ الهيكلِ الثالثِ إلاَّ دليلاً على جديةِ هؤلاءِ في إكمالِ ما جاءوا من أجله ، استعداداً لمقدمِ مسيحهِم المنتظرِ المزعوم .

أيُّها الأخوة في الله: بماذا واجه العربُ والمسلمون هذا المشروعَ الدينيَ الاعتقادي،َ الأسطوريَ الخرافيَ في منطقتنِا الإسلاميةِ، لقد واجهوهُ بإطروحاتِ العلمانيةِ اللادينيةِ ، ومرةً ًباسمِ القوميةِ العربية ، ومرةً باسمِ التقدميةِ الثورية، ومرةً باسمِ الحريةِ الليبرالية، وظل الإسلامُ محجوباً مغيباً عن المعركةِ مع اليهود، حتى استفحلَ خطرُ هؤلاء ، ووصلنا نحنُ إلى ما وصلنا إليهِ اليومَ من عجزٍ تام، أمامَ الوقوفِ لمواجهتِهم، وتهربٍ كاملٍ من تحملِ المسؤوليةِ تجاهَ التصديْ لتهديداتهِم لكلِ دولِ المنطقة، بدءاً من سوريا ولبنانَ والأردن ، ومروراً بمصرَ والعراق ، وانتهاءً بإيرانَ وباكستان، فقد أدَّى تفرقُ الصفوف، وتنازعُ الأطراف ، واختلافُ السياساتِ والممارساتِ على المستوى العربيِّ والإسلاميِّ إلى فقدانِ الأمةِ لعناصرِ قوتِها ، وأسبابِ وحدتهِا .

الوقفة الثالثة: ماذا عن الحبلِ الممدود لدولةِ اليهود ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت