فهرس الكتاب

الصفحة 11860 من 27364

إنَّ أعداءنا أيُّها الأخوةُ لا يقفون في ساحةِ الصراعِ وحدهم، بل إنهم يجدون من يقفُ معهم بحكمِ عواملَ مشتركةٍ من العقائدِ الدينية ، والمصالحِ الاستراتيجيةِ ، والأهدافِ المستقبليةِ، وهذا يزيدُ من خطرِ اليهود، إذ مُدَّ إليهم حبلٌ من الناسِ أخرجَهم إلى حينٍ من الذلةِِ والمسكنةِ المضروبةِ عليهم، (( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ ) ) (سورة آل عمران:113) نعم أيُّها الأخوة ؛ فالذين باءُوا بغضبٍ من الله ، قد حَظُوا بتأييدٍ ممن أضلَ الله ، فاجتمعَ كيدُ المغضوبِ عليهِم والضالينَ على أمةِ الموحدين ، ولم يعدْ أمامَ أهلِ التوحيدِ حيالَ هذا الحبلِ الممدودِ لليهودِ إلاَّ الاعتصامَ بحبلِ الله جميعاً ، فوا الله الذي لا إله إلاَّ هو لو استمسكنا بهذا الحبلِ لما خسرنا الجولةَ ، ولا صمدتْ لليهودِ دولةٌ، ولا استمرتْ للنصارى علينا تلك الصولة، إنَّه الإسلامُ الذي فيه عزنا، إنَّه القرآنُ الذي فيه ذكرُنا وشرفُنا، (( لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ) (سورة الأنبياء:10) .

قال ابنُ عباسٍ- رضي الله عنهما-: فيه ذكركم: أي فيه شرفكم وعزكم . فما بالُنا تركنا هذا العزَ والشرفَ في معركتنِا مع اليهود ، حتى آلت أمورنُا إلى ما آلت إليه.

أيها الأخوةُ الأعزاء:

لا ينبغي أن ننسى أن عداوةَ النصارى ستظلُ مصاحبةً لعداوةِ اليهود ، فقد أخبرنا الله تعالى بذلك في قوله عز من قائلٍ: (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ) (سورة البقرة:120) وقولِه: (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) (سورة البقرة: 217) .

وقد أُخبرنا أيضاً في الكتابِ المبين أن الولاءَ الواجبَ بين المسلمين لابد أن يواجِهَ الولاءَ القائمَ بين الكافرين ، لأن الكفارَ بعضُهم أولياءُ بعض ، فلذا وجبَ على المؤمنين أن يكون بعضُهم أولياءَ بعض ، قال تعالى (( وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ) ) (سورة الأنفال: 73) والفتنُ القائمةُ في عالمنا والفسادُ الكبيرُ المنتشرُ في زماننا ، إنما هو من أعراضِ الولاءِ الموجودِ بين الكافرين ، والمفقودِ بين أكثرِ المسلمين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (سورة المائدة:51) .

أيها الأخوةُ الكرام: إن الولاءَ القائمَ بين اليهودِ والنصارى مبعثُه دينيُّ في الأساس ، وأيُّ ادعاءٍ بخلافِ ذلك إنما هو وهمٌ وهراء ؛ صحيحٌ أنهم يختلفون فيما بينَهم في الكثيرٍ من العقائد ، إلا أن هناكَ عقائدَ أخرى مشتركةٌ تجمعُهم على عَدَائِنا ، وتربطُ بين مخططاتِهم في أرضينا ، فالنصارى الذين كفروا بمحمدٍ r كما كفر اليهود ، يزعمون ألا حقَ للمسلمين فيما زعموها عاصمةَ المسيح ، أي مدينةَ القدسِ ، فالقدسُ عند النصارى هي عاصمةُ المسيحِ عندما يعود ، وهم جميعاً يؤمنون بعودته، وبأن دعوتَه ستكون في الأرضِ المقدسة ، وأنها ستكون في زمانِ قيامِ دولةٍ لليهود،عاصمتُها القدسُ ،وقبلَتُها الهيكل ، ذلك الهيكلُ الذي يزعمُ النصارى أن عيسى عليه السلام سيخاطبُ العالمَ من منبره ، وأن اليهودَ هم الأداةُ القدريةُ لتهيئةِ الأرضِ المقدسةِ له ، لأنهم سيؤمنون به هذه المرةَ عندما يعود .

أيها الأخوةُ في الله:

لا تخدعنكم العلمانيةُ الظاهرةُ في السياساتِ الغربيةِ فيما يتعلقُ بعالمنِا الإسلامي ، فإن وراءَها برامجَ دينيةً تتطبقُ بانتظامٍ على أرضِ الواقع ، كان أُولهُا إسقاطَ الخلافةِ العثمانية ، ثم تلاها احتلالُ الانجليزِ النصارى لفلسطينَ ثم تسلميُهم إياها لليهود ، ثم تمكينهُم من إعلانِ الدولةِ فيها ، والوقوفِ معهم لاغتصابِ القدس ، ثم هاهم يقفون معهم بتواطؤٍ مفضوح،ودعمٍ مفتوحٍ لاستكمالِ بقيةِ برنامِجهم الدينيِّ المستقبليِّ في المنطقة ، فعلى المستوى السياسيِّ هم أولُ من اعترفَ بدولتهِم ، ووقفَ بكلِ صلابةٍ للدفاعِ عنها في المحافلِ الدولية ، والمنتدياتِ العالمية ، رغم ظلمهِم الواضحِ وعدوانهِم المتكرر ، أما على المستوى الاقتصادي فلم تقمْ دولةُ اليهودِ إلاَّ على الدعمِ الاقتصادي الغربي بدءاً من المعوناتِ وحتى تمويلِ الهجراتِ اليهودية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت