وبنظرة تقييميّة لخطط إصلاح الجامعة وبالرغم من أهمية تلك القرارات الإدارية فالأمر في حقيقته لا يتعلق فقط بإصلاح الجامعة وحده، وإنما يتعلق بالدرجة الأولى بتغيير الأسلوب الذي يتعامل به القادة العرب مع القضايا التي تُطرح على القمم؛ لأن الأسلوب المتّبع هو أن تُعقد القمة بعد أن يتفق وزراء الخارجية على الأجندة والمشاريع المعروضة، ومن ثم يُصاغ البيان المشترك الذي يجيزه القادة. وكل ما لم يتفق عليه يُستبعد أو يُجمّد أو يرحّل إلى قمة أخرى. وبهذا الأسلوب فإن القادة يتحاشَوْن أية خلافات أو مواجهات، وبالتالي أية مداولات قد تفضي إلى اتفاق حول ما استعصى على وزراء الخارجية أو كان فوق صلاحياتهم. لا ينبغي أن يتعالى القادة عن مناقشة ما هو موضع خلاف؛ لأن المسائل المختلف عليها لن تُحلّ من تلقاء نفسها بل إن تركها يفاقم من الخلافات، ولكن المداولات وحدها هي التي تقرِّب بينهم وبين الحلول المنشودة. ولهذا فإن التقاليد المتّبعة في القمم العربية تحتاج إلى تغيير حتى تكون ذات أثر فعّال على كل المستويات الإقليمية والدولية.
كما أن إصلاح نظام الجامعة العربية وتنفيذ قراراتها التي تظل حبراً على ورق يواجهه ملف الأزمة المالية التي أعاقت عمل الجامعة بجوار غياب الإرادة العربية.
الإصلاح السياسي حسب الظروف
وهذا الشعار حجة وذريعة للهروب من استحقاقات الشعوب، ووسط حالة الخلافات التي حكمت انعقاد القمة السابعة عشرة بالجزائر وضغوط الجانب الأمريكي الذي يطالب العرب بالإصلاح الديمقراطي ورفع سيف الاستبداد السياسي عن الشعوب العربية بغض النظر عن مدى شفافية التوجهات الأمريكية في العالم العربي حاول القادة العرب تأكيد التزامهم بخطوات إصلاحية هامشية وصورية تم تفريغها من محتواها؛ إذ قدّمت 14 دولة تقارير عن جهودها الإصلاحية، والتي أقرتها قمة تونس فيما عُرف بوثيقة التطوير والتحديث في العالم العربي، والتي دعت إلى تعزيز مسيرة الديمقراطية والشفافية، وإقرار حقوق المرأة والتنمية الشاملة، وحقوق الإنسان وإدخال مؤسسات المجتمع المدني العربي في العمل العربي المشترك.
لا مصالحة عربية
ومن أصداء القمة أيضاً زعم المسؤولون الجزائريون والعرب أن قمة الجزائر ستكون قمة المصالحة، بين الإخوة الأشقاء والقادة المتخاصمين، في هذا الصدد ذكر وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم: أن القمة ستخلو من الملاسنات والصدمات الكلامية، التي شهدتها القمم السابقة، كما أن وزراء الخارجية وقادتهم سيلتقون فيما بينهم، ليعتذر بعضهم لبعض عما بدر منهم من أخطاء. إلا أن المراقبين لتحضيرات القمة وبدايتها أكّدوا عدم تصالح أحد مع أحد، ولم تُحلّ المشاكل العالقة بين الفرقاء؛ لأنها ببساطة قمة تتجنب الخوض في المشاكل، بأسلوب وضع الرؤوس في الرمال، أي أن المشاكل التي سبّبت الخلافات العربية أُجّلت لإشعار آخر، فالقمة العربية فضلت تعاطي المسكنات، بدل تقديم أي علاج. والأشد من ذلك أنه عند بداية الاجتماعات التحضيرية، لاحظ الصحفيون وغيرهم كيف كان المسؤولون العرب يتفادى بعضهم البعض في أروقة القمة وردهاتها، وبالنسبة للقادة فإن ثلثهم غاب، والحاضرون اشترطوا لحضورهم عدم إدراج قضايا مهمة تزعجهم، مثل الرئيس السوري الذي هدّد بالتغيّب إذا أُدرجت قضية الانسحاب من لبنان على جدول أعمال القمة.
تبريد القضايا العربية
ومن الغريب كذلك أن البيان الختامي أغفل التطورات السلبية الخطيرة للوضع الفلسطيني، التي حدثت بعد قمة بيروت، منها وعد بلفور الثاني الذي قدمه بوش لشارون بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، والتهام الجدار العنصري لآلاف الهكتارات من أراضي الضفة الغربية، وزيادة عدد بؤر الاستيطان، كان آخرها عندما وافق وزير الدفاع الصهيوني على بناء (3000) مسكن جديد في الضفة، مما يوشك على تهويد مدينة القدس نهائياً، فالعرب يتحدثون عن مبادرة سلام قديمة، هزيلة، لا تغني ولا تسمن من جوع، أمام الإصرار الشاروني الذي لا يعرف التراجع إلى الوراء. واكتفت القمة بالدعم المعنوي للفلسطينيين، كما خشيت إغضاب أمريكا فأكّدت في بيانها دعمها للعراق، وإدانتها لعمليات العنف التي أسمتها الانتحارية، والتي هي بالأساس أعمال مقاومة ينبغي دعمها، وتجاوز القادة العرب حالة الغليان التي يعيشها الشعب العراقي والعربي من جراء الاحتلال الأمريكي الغاشم في العراق، وتناسوا أن كل ما يُنتج من قرارات وسياسات في ظل الاحتلال باطلة ، وأعلنوا ترحيبهم الكبير بنتائج الانتخابات العراقية الأخيرة، وأشادوا كذلك بدور الأمم المتحدة كمحلل للانتهاكات الأمريكية بالعراق، كما وضُح في البيان عدم التجرؤ على دعم سوريا بصورة جادّة في مواجهتها مع أمريكا، واكتفى العرب بدعم حقوق سوريا في الجولان مثل كل قمة بلا تحرك إيجابي وحيد ضد أعداء سوريا وأعداء العرب المعروفين، وأكّدت دعم وحدة الصف اللبناني.