فهرس الكتاب

الصفحة 11893 من 27364

طبيعة المطالبة بالإصلاح في المملكة أنها حركات عفوية و فردية و هذه ميزتها، فهي تنشط تارة و تخبو تارة أخرى، من ناحية ثانية فإن دعوات الإصلاح السياسي تمر بمرحلة تعثر بسبب عدم وجود رؤية واضحة بين الإصلاحيين أنفسهم، فلديهم رؤيتان: إحداهما متشددة ذات مطالب إصلاحية غير واقعية وبسقف مرتفع و الثانية معتدلة تؤمن بالتدرج في الإصلاح، انتصرت المتشددة فأدت إلى صدام مبكر أجهض نضوج الحركة الإصلاحية، و لو كُتب للرؤية المعتدلة أن تظهر لأنضجت حركة إصلاحية متدرجة بحيث تطالب بالممكن أو ما يقترب من الممكن، و بذلك يكون للإصلاح جبهة عريضة تدفع بالإصلاح بواقعية، للأسف هذا ما لم يحدث، و أنا من أنصار التدرج في مطالب الإصلاح لتتكون شريحة إصلاحية قادرة على تطوير رؤية للإصلاح و المطالبة به. أما النقد الفكري فهو نشاط يأتي بمناسباته، و أنا لا أمتهن هذا النقد بل أمارسه في مناسبته، أما عملي الفقهي فإني أتابعه بنشاط و دأب، لكنه بطبيعته من الأعمال طويلة المدى، و أخالفك الرأي في أن الواقع مستعص على التغيير، بل قد أفاجئك بالقول إن الواقع يتغير أسرع مما كنت أتوقع، خصوصاً في مسار الفكر الإسلامي، خذ مثلاً تطبيع فكرة الانتخابات، مشاركة الدعاة في قنوات كانت مقاطعة، نوعية الكتب المستهلكة في المملكة أصبحت نقدية، و لم تعد رسالة صوت واحد، كذلك الفتوى تغيرت مصادرها، و صارت أكثر انفتاحاً، هذه متغيرات كبيرة ستترك آثاراً ملموسة في واقع المجتمع.

انغمس القاسم مؤخراً في مشاريع الإصلاح التشريعي، وطرحتم ورقة عن البنية التشريعية، ما الذي يدفعكم للتوجه بقوة نحو هذا المجال، وكيف ترون تعامل الإسلاميين مع قضية الإصلاح التشريعي بصفتها أحد جوانب الإصلاح؟

عنايتي بالإصلاح التشريعي سببها تخصصي المهني، و التشريع وسيلة إصلاح للمصالح اليومية التي تمس حياة ملايين من البشر، و لهذه الأهمية جذبني هذا النشاط بقوة، و قد أهمله كثير من الإسلاميين على الرغم من خطورته من الناحيتين الشرعية و العملية، و للمفارقة فإن أكبر منجزات المسلمين مجالها الفقه لكن الإسلاميين في المملكة أهملوا هذا الجانب بشكل كبير، حتى صارت هشاشة أداء المؤسسات الفقهية الشرعية تثير الفتنة مقارنة بتطور التشريعات الحديثة.

هل يمكننا أن نقول إن انشغال القاسم بالقضايا التشريعية هو نوع من الهروب عن معترك السياسة؟ ألا يُعدّ ذلك تحاشياً لجوهر الأزمة، وهو غياب الحرية وطغيان الاستبداد؟

صحيح أن الاستبداد هو أم كبائر التخلف؛ لأنه يحجب الأخطاء، و يحميها من النقد و التصحيح، لكنني أعتقد أن مستوى الحريات حالياً أكبر من قدرة الإصلاحيين على مواكبته؛ قد يبدو هذا القول غريباً بعض الشيء؛ لكن لنقارن بين مستوى النقد الذي نقرؤه الآن في الصحافة المحلية خصوصاً في صحف الاقتصادية و الحياة و الوطن، و بين ما كان متاحاً قبل سنوات قليلة، و لنقارن بين مستوى النقد في منتديات الاقتصاد بالرياض و جدة، و بين خطاب الإسلاميين، علينا أن نعترف بأن خطاب الإصلاح انتقل من المعارضين السياسيين إلى النقاد التكنوقراطيين، شخصياً لدي قناعة بأن دعوات الإصلاح إن لم تكن واقعية ستوأد في مهدها، و تفوت المصلحة الوطنية.

الدعوة الدستورية بالسعودية كانت سابقة لوقتها

طرحت مجموعة الدستوريين أفكارها ورؤاها لإصلاح الوضع السعودي، لكن طروحاتها لم تحفل بتفاعل من قطاعات الشعب العامة، ألا تعتقد أن جزءاً من مشاريع الإصلاح هي نخبوية وبعيدة عن اهتمامات الشارع البسيط الذي يفكر في الخدمات اليومية البسيطة: كالمسكن، والصحة، والتعليم، والوظيفة، ومستوى الأسعار دون أن تعنيه صياغة الدستور أو المشاركة في صنع القرار؟

بالفعل المجتمع تهمّه التطبيقات، و ماذا تنفعنا دستورية شكلية لا يتغير معها مستوى المعيشة، و ترتقي حقوق الإنسان، الدعوة الدستورية كانت سابقة لوقتها بدرجة مميتة، لهذا ذهبت صيحتها إلى صحف التاريخ، و إن بقي منها وميض الجرأة و شجاعة التعبير، ما يهم الناس هو أداء الحكومة، و هذا لا تصلحه مجرد صيحات الجرأة مهما كانت نبيلة و صادقة، الحياة اليومية لا يصلحها إلاّ شعور بالمسؤولية يحققه تواصل دعوات الصدق و الإصلاح لتتحول إلى حياة يومية يرتقي بها الذوق الأخلاقي للمجتمع ليتحول من خطاب المجاملة و التزلف إلى خطاب المسؤولية و الصدق، بهذا تتكاثر منابر الدعوة الإصلاحية لتكون الأمة حية تأتمر بالمعروف، و تتناهى عن المنكر في حياة العامة فما من خطأ إلاّ و يجد من يستنكره، و ما من خير إلاّ ونجد من يدلنا عليه.

المشاريع الاقتصادية والأنظمة الجديدة على الساحة السعودية.. هل تعتقد أنها أضعفت من قوة مطالب الإصلاح؟

قوة الدفع في الحركة الإصلاحية تأثرت بثلاثة عوامل أساسية:

أولها: ارتفاع سقف المطالبة.

وثانيها: حركة السوق المالية التي لفتت الأنظار إلى مكان آخر يجلب أملاً في الثراء السريع، فأوجد مسرحاً مثيراً اشتغل به الناس مؤقتاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت