و ثالثها: انبعاث نوع من الأمل بسبب مبادرات الدولة الإصلاحية مثل الانتخابات البلدية، و الحوار الوطني، و الحساسية الجديدة تجاه المال العام و غيرها، فالمجتمع يترقب مصير هذه المبادرات.
نهدف إلى تطوير رؤية شرعية لأنظمة بناء الدنيا
تشاكس القاسم مع الصحوة ومع التيار الإسلامي السائد في نجد تحديداً ـ والذي كنت أحد رموزه ـ واتُّهمت بأنك تنويري عصراني وتمهد لأرضية تغريبية .. وشاعت دعوات التحذير من أفكارك .. بكل وضوح .. ما موقفك من مخالفيك؟
المسألة اختلاف في الاجتهاد، و أصدقك القول إنني أرى أفعالهم تخالف أقوالهم، بمعنى أن التيار الإسلامي نفسه يتغير؛ فالقناعات اليوم ليست قناعات الأمس، أتذكر أن الأخ الدكتور محسن العواجي أثناء نقاش بيني و بينه عام 1412هـ لمزني بالليبرالية على الرغم من أن الرأي الذي قلته له كنت أنقله عن ابن تيمية، و كان يتعلق بالموقف من المخالف، الآن لم تعد لدى الإسلاميين مشكلة جدية مع المخالفين، فقد تكاثرت المواقف و المبادرات باتجاه تصحيح الموقف السابق، و رأينا الشيخ سفر الحوالي - شفاه الله - يقف في صورة واحدة إلى جوار الأستاذ محمد سعيد الطيب للتعاون في مشاريع سياسية.. من أجل ذلك فإنني أقرأ موقف الإسلاميين من بعض ما طرحته كجزء من اختلاف مشروع، و بيننا فقه السلف و أدلة الشرع، و من يثبت لي مخالفة واحدة لذلك فإن الرجوع إلى الحق واجب عليّ و على غيري. لقد لاحظت أن بعض مواقف التحذير لا تعدو كونها مزايدة يتبعها تأكيد على الاتفاق في المجالس الخاصة، و أنت تدرك أهمية الجمهور لدى الصحوة.
يتهمك المحافظون من الإسلاميين بأنك تحاول أن تخضع الإسلام لقيم العصر، وتسعى إلى إسقاط مرجعية التراث، وأن أفكارك تؤدي إلى التحلل من سلطة النص من أجل التقدم واللحاق بالحضارة الغربية .. ما هو ردك؟
أنا رجل مؤمن بالوحي، و بأن الإسلام رسالة الله تعالى الخاتمة للبشرية، و لا يمكن أن أقبل التحلل من النصوص، أما الموقف من التراث فلا يوجد تراث واحد كما تعلم، بل توجد اجتهادات متعددة، و لا أحد من الإسلاميين يؤمن بقدسية التراث ككتلة واحدة، و لو كانت صياغة سؤالك عن الاجماع بدل التراث لكان جوابي أنني أعتقد حجية الإجماع بشروطه المعروفة في أصول الفقه، تراثنا الفقهي كنز نفتخر به و أن نستوعبه، لكن يجب علينا أن نتعامل معه وفقاً لواقعنا المعاصر، و هذا الموقف محل إجماع بين الإسلاميين و ينحصر الخلاف في التفاصيل.
والفهم العصري للإسلام مصطلح غير دقيق بل غير علمي؛ إذ قد يحتمل إخضاع الإسلام لقيم العصر و معاييره، و هذا مرفوض بل هو تحريف للدين، أما إذا كان المقصود هو تصحيح الفهم الديني للإسلام بما يتفق مع ما تتطلبه المتغيرات وفق معايير الشريعة و أصول الفقه المقررة في التعامل مع الاجتهاد فهذا أمر مقبول، لكن له تسمية شرعية هي التجديد، فلماذا نتخلى عن المصطلح الشرعي، و نوظف مصطلحاً غامضاً يزيد المسألة تعقيداً بدلاً من ضبطها و إصلاحها، و هذا المصطلح متداول في الفقه و تاريخه و علوم الشريعة، و إذا أردنا إدانة تجديد ما فلماذا لا نبرهن على مخالفته للأصول الشرعية بدلاً من اختراع مصطلحات وضعية لإدانته.
هل يمكنك أن تختصر لنا الرؤية التي تطرحها وتسير وفقها في مشاريعك؟
الرؤية التي نطرحها يمكن اختصارها في جملة واحدة هي: تطوير رؤية شرعية لأنظمة بناء الدنيا، فهي مشاريع بناء و إن تضمنت رؤية نقدية لبعض الجوانب، خذ مثلاً مشروعنا الكبير في تحليل البنية التشريعية و القضائية السعودية، هذا العمل بنائي فقد وضع تصوراً واضحاً لبناء النظامين: التشريعي و القضائي، و إن تضمن نقداً لبعض جوانبهما. لقد أكدنا في هذه الدراسة أن مشاورة كوادر النظامين شرط لنجاح الإصلاح، و قد اقترحنا إصلاح ازدواجية النظام التشريعي بحيث تكون مشاورة المؤسسة الفقهية جزءاً أساسياً من نظام التشريع بدلاً من حالة الاضطراب الحالية، و قد تفرع عن دراستنا الأم مجموعة كبيرة من الدراسات الفرعية لجوانب الإصلاح التشريعي و القضائي، بعضها متعلق بالشفافية التشريعية، و بعضها متعلق بالتدريب التشريعي و القضائي. و هكذا لدينا مشروع في المشاركة الأهلية و تنميتها استغرق منا جهداً و وقتاً أكبر من نقد الصحويات، فالنقد لدينا وسيلة لتطوير الخطاب الإسلامي باتجاه فاعلية دنيوية أعلى و ليس هدفاً نسعى إليه.
يرى بعض مخالفيك بأن منهجيتك الفكرية تؤدي إلى العلمانية. ألا ترى في ذلك قسط من الواقعية؟