فهرس الكتاب

الصفحة 11895 من 27364

لا أرى ذلك بالطبع؛ لكن دعني أناقش هذا، العلمانية بالتعريف الفقهي هي النظرية التي تدعو إلى تعطيل أحكام الشريعة الملزمة فيما يتعلق بأعمال الدولة، منهجيتي التي تتحدث عنها هي أبعد ما تكون عن هذا بل هي عكسه، نحن نعمل بدأب على إعمال أصول الشريعة و قيمها في الحياة العامة، و لهذا تقدمنا بمشاريع عديدة في هذا الاتجاه، تقدمنا مثلاً بورقة عمل في منتدى الرياض الاقتصادي لتحليل البنية التشريعية و القضائية، الورقة قائمة على تفعيل تطبيق الشريعة، و جادلنا عن هذا بأن التجارب الدولية لإصلاح التشريع و القضاء تثبت أن من شروط الإصلاح أن يتلاءم الإصلاح مع ثقافة المجتمع، لم نجد مقاومة تذكر بل كانت اللجنة المنظمة للمؤتمر متحمسة لهذا الطرح، تقدمنا بعدد من المشروعات في الإسكان و التمويل و الأنظمة المصرفية، اقتراحنا فيها يقوم على تفعيل أنظمة شرعية تستثمر التطبيقات الفقهية التراثية بوسائل جديدة، و طرح مقترحات تتعلق بحماية الأخلاق، و مكافحة التحرش الجنسي، و استغلالها، و مثل هذا يمكن أن نقوله في مشاريع الإصلاح السياسي و الاقتصادي، كانت الرؤية المطروحة تعتمد على الشريعة و احترام و تفعيل مبادئها و أحكامها، كل هذا يعني أننا في اتجاه تفعيل الشريعة و ليس تعطيلها، تعطيل الشريعة قد يتسبب فيه بحسن نية الطرح الإسلامي التقليدي الذي كان متمرساً في مواجهة المخالفين، لكنه عاجز عن تقديم الشريعة كحلول و أنظمة بناء و إصلاح، و النتيجة الطبيعية لهذا العجز هي تمكين المشاريع الأخرى من العبور لملء الفراغ، قد يُقال في هذا السياق الحجة التقليدية، و هي أن الإسلاميين لا يُمكّنون من الفرصة لتقديم الحلول، و هذه الحجة في ظني باطلة إلى حد بعيد؛ فالمبادرة يجب أن تكون ممن يملك رؤية ما، فعليه أن يتقدم بشرح لرؤيته و إقناع الناس بها، الإسلاميون ما قاموا بذلك، خذ مثلاً جامعة الإمام هذه المؤسسة تحت تصرف الإسلاميين - بالمصطلح العام - ماذا قدمنا في كلية الشريعة و كلية أصول الدين لمعالجة المعضلات المعاصرة في التنمية، النظام الاقتصادي، عدالة توزيع الثروة، الشورى، دور المجتمع في المشاركة السياسية و الأهلية، العلاقات الدولية، فلسفة المعرفة، قراءة و نقد العلوم الاجتماعية... هذه هي مداخل تفعيل الشريعة في المجتمع بصيغة أخرى هذه هي وسائل طرد العلمانية التطبيقية. أين الإسلاميون من هذا، نعم هناك مبادرات رائدة في المعهد العالي للقضاء، لكن صاحب المبادرة في تدريس الأنظمة في المعهد هي الدولة للأسف بهدف إعطاء شرعية للأنظمة و تدريب القضاة عليها، و ليس المبادر هم الإسلاميون بل هي مبادرة حكومية تشبه الإكراه، و جاءت القناعة الإسلامية تالية، واقع الإسلاميين هذا جاء ثمرة لثقافتهم الاحتجاجية أي المعارضة السلبية، و هذا النوع من المعارضة يعرف ما لا يريد، لكنه لا يعرف ما يريد، و لم تتجه الطاقات لاستطلاع ما نريد بقدر اتجاهها إلى ما لا نريد، و لهذا انغمسنا في علم الكلام و دقائق الفقه و تجاهلنا الواقع، خذ كم في أصول الدين من رسالة تدرس عقيدة فلان و فلان من القدامى، في المقابل كم تجد من رسالة تدرس المبادئ النظرية لخطط التنمية في المملكة. هذا مثال صارخ للعجز و العزوف و تحوّل الإسلاميين الذين كانوا في الأساس مشروع إصلاح تحولوا إلى مباراة و منافسة لإثبات من أكثر تقليدية وفقاً للمعايير الكلامية و التقليدية، و انصبت جهود التربية الإسلامية على المتون الكلامية من جديد، انكب على دراستها حتى علماء الطب و الفيزياء، و لهذا يستحق مشروع الصحوة أن يُسمّى بمشروع الإحياء الكلامي، و قد نجحت في الإحياء الكلامي، لكن هذا الإحياء أبعد ما يكون عن مشروع الصحوة أو النهضة الإسلامية التي هي في النهاية مقاومة للعلمانية ببناء دنيا متوافقة مع الشريعة.

ألا توافقني أن حدة وشدة موقف الإسلاميين منكم قد ساهمت في تعطيل الكثير من مشاريعكم؟

مواقف المخالفين في نظري طاقة دفع للعمل و تسويقه كما تعلم و ليست مثبطة، و أختلف معك في كونها سبب تأخري، فالتعطيل سببه انشغالي بعملي المهني، الذي وجدت فيه وسيلة فعّالة و ممتعة للتطوير و الإصلاح، و أطمح أن أتخفف من مسؤوليات عملي المهني بعد هذه السنوات من العمل لألتفت إلى اهتماماتي الفكرية و الفقهية، و أسأل الله تعالى أن يسهل ذلك.

طرأت متغيرات جديدة على ساحة الإسلاميين في السعودية، وبدأت تظهر أصوات معتدلة من داخل التيار الإسلامي، كيف تنظر لهذه التغيرات؟

الصحوة الإسلامية كانت تنتج خطاباً حالماً بعيداً عن الواقع، و جاءت الأزمات لتعيد الاعتبار إلى معطيات الواقع، و أنت تعلم أن الخطاب العاطفي يتحلل من الواقعية ليلامس الأوتار الحساسة لدى الجمهور، فجاءت الأحداث من 11 أيلول، و ما بعدها لتعيد الخطاب الإسلامي إلى مسؤولياته الواقعية المحلية و العالمية، فبدأ يستعيد نفسه من الخطاب العاطفي إلى خطاب سياسي و إصلاحي أكثر مسؤولية.

المظالم السياسية أوجدت العنف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت