فهرس الكتاب

الصفحة 11944 من 27364

ويخطئ من يتصور أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى إلى إقامة نظام صديق لها في فلسطين أو في العراق, وهي التي تدخل الآن في صراع شديد مع حلفائها وأصدقائها التقليديين, بمن فيهم حلفاء الأطلسي, لتقلب ما كان مقبولاً من صداقة ومعادلة تحالف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عام 2000, مما يوجب التأمل بعمق في الأزمة الأميركية - الأوروبية راهناً, أو في أزمة أميركا مع عدد من الأنظمة العربية التي ذهبت بعيداً في العلاقة الإيجابية معها, والتقاء المصالح, وبعضها لعشرات السنين, بما في ذلك قبول وجود عسكري أمريكي فوق أراضيها, أو القيام بمناورات عسكرية مشتركة, ومنها من خطا باتجاه ما كانت تطالب به من علاقة بالكيان الصهيوني.

إن القياس على أمريكا الحرب الباردة, أو قبلها, أو حتى أمريكا كلينتون لم يعد مطابقاً للحال الأمريكية تحت إدارة جورج بوش الابن. فالمطلوب الآن من حلفاء الأطلسي تبعية كاملة بلا قرارات جماعية, أو حق النقض, ومن الفلسطينيين والعرب تبعية كاملة للمشروع الصهيوني, بما يتخطى الاعتراف والتطبيع إلى القبول بالشرق أوسطية والهيمنة الصهيونية وتصفية القضية الفلسطينية وفقا لشروط أسوأ مما أفصح عنه حتى الآن.

وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا كل هذا التأزم مع الأصدقاء والحلفاء والمجتمعات العربية - الإسلامية؟.

أمريكا الصهيونية

إن من يتمعن جيداً في تقرير (استراتيجية الأمن القومي الأمريكي) الذي أطلقه الرئيس الأمريكي بوش في 20 (سبتمبر) 2002, وفي سلسلة تصريحات بوش, وديك تشيني, ورامسفيلد, ورايس, وفي كتابات منظري الإدارة الأمريكية أمثال بول ولفوفيتر, وريتشارد بيرل, وروبرت كاغان وغيرهم, وفي الدور الذي يلعبه داخل الإدارة قساوسة ما يسمى بـ (المسيحية الصهيونية) يدرك أننا إزاء أمريكا غير تلك التي عرفت حتى أيلان,أمريكا اليوم ضاعفت سعيها إلى الهيمنة, بل أخذ كثير ممن اعتبروها زعيمة العالم الحر أو محررة أو ديموقراطية, يبدون قلقهم مما راح يسعى إليه الفريق الحاكم الآن من نزعة حرب, وعقلية عسكرية - أمنية, وروح تسلطية انفرادية, وممارسة هيمنة استعمارية مباشرة, ومن سعي إلى إقامة نظام دولي تحكمه دكتاتورية عسكرية, ومن ثم سياسية واقتصادية وثقافية، أما في منطقتنا فالتبني شبه كامل من جانب الإدارة الحالية للمشروع الاستراتيجي الصهيوني.

من هنا ندرك لماذا تريد أمريكا أن تحتل العراق بقواتها العسكرية وتضعه لأمر طويل تحت تهديد بالصواريخ والطائرات فضلاً عن إعادة بناء نظام عسكري - أمني من خلال جيش وقوات أمن لهما (تراث عريق) في ضبط الشارع العراقي وقمعه, وتنفيذ الأوامر. وهذا النظام يجب أن تكون قيادته, بالضرورة, لا صديقة ولا حليفة وإنما عميلة وجزءاً من المشروع الذي يستهدف فلسطين والمشرق العربي وإيران: تغيير الأنظمة والمجتمعات (وربما بعض الخرائط) وفقاً للصورة التي في ذهن صقور الإدارة الأمريكية. بل لتكون جزءاً من مشروع إقامة نظام الديكتاتورية العسكرية الأمريكية في العالم. ولهذا عندما يسأل ما الذي تريده أميركا من العراق? ينبغي للجواب أن يقرأ من خلال ما تريده على المستوى العالمي والإسلامي والعربي, وما تريده للدولة العبرية من دور في المنطقة, وإلا فهمنا السياسة الأمريكية في العراق, وفي فلسطين, وفي أي بلد عربي, بتبسيطية مخلة حين يقال إنها تريد تغيير هذه القيادة أو تلك، وإقامة ديموقراطية وحكومة صديقة تتبادل وإياها المصالح (المشتركة) .

إن واشنطن غاضبة من الدول العربية لأنها لم تسر إلى نهاية الطريق المطلوب أمريكيا - صهيونياًً في تصفية القضية الفلسطينية والتمكين للصهيونية فيه على رغم ما قدم من تنازلات وأبدى من رغبة في التفاهم، ولأنه لم يسلم كل سياساته الخارجية والداخلية, الاقتصادية والثقافية لواشنطن, بما في ذلك السياسات البترولية والعلاقات الدولية. فعلى سبيل المثال ثمة عدم إدراك للسياسات الأمريكية النفطية في استراتيجية الإدارة الأمريكية الحالية. فقد شاع بين خبراء النفط أن أسواقه استقرت منذ 1975 وأن الوضع النفطي الراهن يحقق مصالح أمريكا ويحظى على رضاها الكامل. ولكن التدقيق في الاستراتيجية العالمية الأمريكية الجديدة يفترض تغييراً في الاستراتيجية النفطية, كما هي الحال بالنسبة إلى اتفاقيات دولية كثيرة يراد إعادة النظر فيها وتغييرها, فأمريكا إذا أرادت تركيع الدول الكبرى فهي بحاجة إلى سياسة نفطية جديدة إلى جانب الاعتماد على ميزان القوى العسكرية،. ولهذا فإدارة بوش تريد نمطاً جديداً من السيطرة على النفط يسمح لها باستخدامه كسلاح في صراعها الدولي مع الصين وروسيا وأوروبا واليابان. الأمر الذي يتطلب سيطرة عسكرية وسياسية (من خلال أنظمة عملية) على النفط. والبداية الآن من العراق لنسف المعادلة النفطية التي استقرت خلال العقدين الماضيين.

تآمر أمريكي روسي على بترول العراق

وبالنسبة لملف النفط فقد كان موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محرجاً للإدارة الأمريكية التي رأت في معارضته لمهاجمة العراق سبباً لتحسين مستوى التعاون معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت