فهرس الكتاب

الصفحة 11990 من 27364

16/ هناك إقبالية ظاهرة متزايدة لدى الإسلاميين ، بل لدى الأمة كلها في رفض التعصب الفقهي والتقليد ، ومحاولة إيجاد علاقة شمولية على مستوى الخاصة والعامة مع الدليل ، وهذا تطلع حسن وجميل ، لكن من حيث الحقيقة فإن هذه المحاولة مختصرة في تجاوز صورة أو صور معدودة للتقليد والتعصب ، كتجاوز التقليد والتعصب لمذهب فقهي من المذاهب الأربعة ، أو بعض الأشكال المعاصرة ، لكن تجد على مستوى الخاصة والعامة ممارسات للتقليد والتعصب ربما رسم كثير منها باسم الدليل والاجتهاد ، واتباع الحق وأمثال ذلك ، والألفاظ غير المعاني .

وكثيرون ينتقلون من التعصب الفقهي لمذهب حنفي أو حنبلي أو شافعي إلى التعصب لفقيه أو منهج معاصر , أو ينتقل من التعصب الفقهي إلى الذوبان في منهجيات دعوية تقوم على الاجتهاد .

ربما كان هذا واقع الجمهور والأتباع ، لكن يجب أن ندرك أن هناك تناسباً بين طرح الخاصة سواء في المجال الفقهي أو الدعوي أو التربوي وبين الأتباع ، قد ينظر كثيرون إلى علاقة عفوية في هذا الواقع ، لكني على يقين أنها علاقة تأثيرية جادة , وإن لم تتم بصورة قصدية هادفة .

حين نتكلم عن التعصب والتقليد فإننا كثيراً ما ننظر بشكل تلقائي إلى الأمام لنتعرف على الطرف المقلَّد الذي نتواصل معه ، لكن ربما يحسن أن ندرك أن التعصب والتقليد ليس بالضرورة ثنائي القوام، وكثيرون من الدعاة وطلاب العلم وأشكال المتخصصين يتعصبون لنفوسهم وهم لا يشعرون .

أحياناً يكون الإلحاح في تقديم الاجتهاد - في أي مجال أو تخصص- ممارسة غير واعية لتكريس التعصب ، بل وتطبيقه بشكل صارم , والشأن القضاء على التعصب والتقليد المذموم ، وليس في الانتقال من صورة إلى صورة أخرى مماثلة لها أو دونها !

17/ أيها الإخوة حينما نتحدث عن نشر الوعي ، فأول صور الوعي نشر العلم الشرعي والأخلاق الفاضلة ، فبهذين تحرك عقول الناس ونفوسهم في مشاريع الإصلاح الشرعي ؛ ولهذا فإن الرسل وأولي العلم الربانيين كذلك ، وفي قول الله تعالى عن الخضر صاحب موسى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) [الكهف:65] ، يذكر الإمام ابن تيمية عن هذه الآية أن من خصائص الأنبياء وأتباعهم أولي العلم الجمع بين العلم والرحمة ؛ لأن الناس لا يُدَيَّنون بواحد منهما فقط ، ولهذا جاء قوله تعالى: ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر) [آل عمران: 159] .

نعم! على المصلحين أن يعرفوا العلاقة مع العامة ، وأن يدركوا أنهم ليسوا سادة على السواد من الأمة ، وليسوا أوصياء على الناس ، بل هم دعاة , ومن حق الأمة أن تشاركهم الرأي والتأثير والدعوة .

علينا تجاوز عقدة مركزية الدعوة والرأي والمشورة ، وتفعيل التجمع الإسلامي كله ، وفتح العلاقات والحوار ، والتربية عليه داخل الدوائر الإسلامية ، وتجاوز عقدة الزعامة والوصاية ، وتطبيع الحوار بين الخاصة والعامة ، وتأمين حركة الدعوة وحرية الكلمة والمشاركة والنقد التي تقع داخل حدود الشريعة ومقاصدها .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت