يجب أن يستعمل الإسلاميون ورقة جادة في هذه المواقع الاتصالية وهذه الحركة الإعلامية المتطورة ، وهذه اللغة الثقافية القائمة للتخاطب مع العالم كله, أوعلى أقل تقدير للتخاطب مع شعوبنا المسلمة، وإخواننا المسلمين في العالم كله .
يجب أن نؤمن بالتواصل الثقافي بين الإسلاميين ، وتطبيع لغة الحوار ، والاستعداد للتصحيح حسب قواعد الإسلام ونصوصه ، وأن نخرج في هذه الآلية العالمية ونحن نقدم شكلاً صادقاً عن ديننا وإسلامنا حتى على مستوى المظهر العادي ، فضلاًَََ عما وراءه .
12/ يفترض أن نكون سباقين أمام مجتمعاتنا وأمتنا ، وأن نمارس التحدي الحضاري في كل أشكاله ، فمن الصعب أن ترى بعض الدعاة الإسلاميين لا يعرف مظاهر التحدي الحضاري إلا بعد تطبيعها في مجتمعه .
يجب أن نتجاوز عقلية الانغلاق ، وأن نعرف بصورة إسلامية كل شيء في الحركة الحضارية المعاصرة ، وأن نقدم الرؤية الإسلامية الواعية في كل شيء مع الإيمان بحق التخصص ، والتعددية التفسيرية الممكنة شرعاً ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) (الإسراء: 12) (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون َ) (الأعراف:181)
13/ من أخص الإشكاليات القائمة غياب الوعي داخل الأمة ، ليس على مستوى العامة بل على مستوى كثير من أصحاب المواقع والمخاطبة .
إن هذه الأمة - بحمد الله - تحمل قيمة مبدئية لا يمكن لأي تغيير بشري أن يغيبها ، حتى يأذن الله بخراب هذا العالم ، لكن مع هذا ندرك كثيراً أن المشاريع العالمية التي صنعها أعداء الأمة في شتى المجالات في غفلة الأمة وسباتها زادت من تغييب الوعي بحقائق الإسلام وشموليته .
ومن صور الوعي الغائبة ( عالمية الإسلام ) فهذه الحقيقة ليست حاضرة في أذهان كثيرين حينما تضع رصداً أو قراءة للمناهج الإسلامية المعاصرة تدرك هنا الاختصار لهذه العالمية .
يفترض أن يكون الإسلام كما هو من عند الله ، وألا يتحول إلى ممارسات تقفز على الحقائق الشرعية والواقعية .
أيها الإخوة هنا قضية مهمة وهي أن من الصعب أن ندرك حضور الهيمنة الشخصية في عدد من المشاريع الإسلامية , وأن كثيرين يتدخلون بشكل شخصي من وحي وأثر طباعهم الخاصة لصياغة الرؤية المنهجية لمشروع إسلامي ما .
من الحرج الكبير أن تكون طبيعتنا النفسية والتعاملية والظروف الخاصة بنا هي الحاكم على رؤيتنا في قضايانا الخاصة والعامة .
قد ترى رؤية ما فتدرك بشكل واضح أنها إنتاج لطبيعة خاصة أكثر من كونها إنتاجاً علمياً ذا طابع معتدل ، ومن الصدق أن نحاول الاعتراف بتجاوزنا في الصياغة لمشاريع العمل الإسلامي في بعض الأحيان .
14/ لعل من الصواب أن ندرك أن التكوين النفسي الخاص يمارس هيمنة داخل قراراتنا العامة والخاصة .
صحيح أن الإسلام ليس أحكاماً مجردة ، وطبيعة الاجتهاد يقتضي استصحاب الحال ، والطبيعة الخلقية للمجتهد والناظر ، وقد اختلف الخيّران ( أبو بكر وعمر ) في شأن أسرى بدر ، وعلق رسول الله صلى الله عليه السلام بأن الله يقوي قلوب رجال فيه , ويلين قلوب آخرين فيه, وهذا متصل بصفة فطرية لكل منهما , فأبو بكر كان مألفاً محبباً في قومه , وعمر كان أيّداً شديداً ؛ ولذا سمي هذا بالصديق وهذا بالفاروق .
ولعل من غير الممكن الانفكاك عنه ، بل وليس من الشرعي أن نقصد هذا القصد ، لكن مع هذا تبقى ضرورة الاحتفاظ بعلاقة متناسبة بين الحقيقة الشرعية وبين الأثر النفسي الخاص .
من غير المنطقي أن تكون رؤيتنا تتمتع بذوقية خاصة متأثرة بشكل رئيس بالطبيعة التي نتمتع بها ، ونحن ندرك أن كثيرين يحكمون بالذوق النفسي والعقلي المنتج للعلاقة مع الواقع ، ولذا فإن تباين المواقف في كثير من الأحوال ليس نتيجة اجتهاد شرعي ، بل هو نتيجة ذوقية غائبة عن الإدراك .
15/ حين نحاول الوصول إلى قناعة عمومية بأهمية الوعي داخل صفوف الأمة كلها ، ينبغي أن نكون واقعيين ، وأن ندرك أن غياب الوعي ظاهرة لا تتعلق بالعامة والجماهير، بل هي ظاهرة داخل صفوف النخبة في التقدير الاجتماعي القائم .
والجلوس في المقاعد الأمامية ( الرموز ، الدعاة ، المربّون ،... ) لا يمثل بشكل ضروري حصانة خاصة بتدني مستوى الوعي والإدراك .
ولعل المركزيات لدى كثير من الإسلاميين متأثرة بالواقع الاجتماعي القائم في الرسم القيادي ، فكثيرون يكتشفون أنفسهم في مواقع التأثير ، وهم لا يملكون الأهلية الخاصة بهذه المواقع التي يفاجئون بها .
ولهذا تولد التسابق على السلطة الدينية ، وهي حق تبعية المجتمع وهذه إشكالية تربوية حادة التأثير على المجتمع .