فهرس الكتاب

الصفحة 11988 من 27364

والعمل الإسلامي اليوم رغم اختلافه وتمايزه في كثير من الأحوال ؛ إلا أنه يملك تجمعاً مؤهلاً للصياغة الشمولية إذا استطعنا الاعتراف والإيمان بثلاث حقائق:

أولاً: تجاوز خلافاتنا الخاصة ، والتخلي عن المطالبة الذاتية .

ثانياً: عقد وفاق ولائي على مستوى المشاعر، والثقافة العمومية للإسلاميين، وذلك بإقرار حق الاجتهاد الشرعي بحدوده ، فالاجتهاد من أهم الثوابت وهو روح المتغيرات ، وأساس الاختلافات .

ثالثاً: القدرة على الإيمان بالترقي، والتجديد في الصياغة ، والتطبيق الذي نمثله ، والتخلص من الرؤية السرمدية لمشاريعنا الخاصة .

أيها الإخوة حين ندرك مقدراتنا التي نملكها ندرك أننا أقوياء فعلاً ، وأننا نؤثر في المجتمعات كلها، ومن أخص مقدراتنا تحويل الواقع الخلافي إلى تعددية رشيدة قابلة للحوار والتصحيح مع الاحتفاظ بحق الاجتهاد الشرعي ، والمحافظة على الثوابت والأصول.

من غير المنطقي عقلاً وشرعاً أن تتحول اجتهاداتنا الخاصة إلى قرارات ملزمة لغيرنا من إخواننا ، ومن غير العقلي والشرعي ألا ّ نؤمن إلا برؤيتنا الخاصة ، ومشاريعنا الاجتهادية، إننا هنا نقع في غلط شرعي ونحن نمثل العمل الإسلامي .

يجب أن تكون الأصول الشرعية واضحة ، وثوابت الإسلام متاحة لكل فرد في المسلمين وما عدا ذلك فهو صياغة خاصة تجريبية ، قابلة للمعارضة والتجاوز والتطوير والمخالفة وفق ضوابط الاجتهاد الشرعي المحكم ، مع أني أُفضل كثيراً أن نتجاوز لغة المعارضة في داخلنا ، وأن نُربي الجيل القادم على التعددية والحوار ضمن القواعد الشرعية المنضبطة .

إن المدارس الفقهية الأربع في التاريخ الإسلامي (الحنفية ، المالكية ، الشافعية ، الحنبلية) كانت استجابة للواقع الإسلامي اللاحق لعصر الأئمة ، وقدمت رؤية علمية عالية في الفقه الإسلامي ، لولا بعض حركة التعصب التي تطرأ أحياناً في صفوف الأتباع, وهكذا الأمة اليوم ، إنها تطالبنا بتنويع الطرح والمشاركة الجادة في كل المجالات لنصنع أمة متكاملة الرؤية والتأثير ، ولنحقق قدراً من القواسم المشتركة بين فئاتها يصح معها أننا أمة واحدة .

إن التفاوت والاختلاف - مهما تعاظم في نفوسنا - لايعد شيئاً ذا بال إذا قورن بمساحة الاتفاق العريضة المستندة إلى محكمات هذه الشريعة وأصولها .

10/ هذه الرؤية لا تعني أن نقع في الخلط الشرعي أو ألاّ نميّز الحق من الباطل ، إن التمييز بين الحق والباطل أصل في الإسلام ، بل هو من حقائقه الشرعية والقدرية ، لكن يجب أن نقدر أن الباطل هو ما يخالف الإسلام نفسه وليس ما يخالفنا نحن ، ومن هنا يفترض ألا نركب لغة الصراع بين الحق والباطل إلا ونحن متحققون من واقع الحال ، إن ثمت أصولاً شرعية كثيرة أحياناً يساء استخدامها حتى لدى بعض الخيرين .

11/ يفترض بعض إخواننا أن من الصواب الإسلامي أن يقدم رؤية تطبيقية اجتهادية خاصة به تحظى بروح سرمدية البقاء ، وهذا في تقديري ليس مهماً ، ولا يمثل إمكانية التطبيق العملي ، بل يبقى ظلاً له رسمه ، وليس له أثره .

يفترض ألا نصر على تقديم مشاريع طويلة الأمد من المشاريع ذات البعد التغييري الشمولي، وحين نمضي جهداً وعمراً في رسم مشروع يحظى بروح طويلة للبقاء ، فنحن هنا نخسر الواقع أكثر مما نتصور , ولهذا لا ترى لكثير منا أثراً في الواقع الحضاري للأمة ، بل هذا موقع يتسم بجفاف التأثير الإسلامي اليوم .

وتسارع التغيرات العالمية يعني أننا نعيش لغة المرحلية في المشاريع الاجتهادية ، نظراً لتعدد مقومات تحريك المجتمع الإسلامي والتأثير عليه ، ونحن يجب أن نتعامل مع هذه المحركات المؤثرة على مجتمعاتنا بواقعية يلمسها الناس ويدركون تناسبنا مع الواقع , بل ومع متطلباتهم انطلاقا من تأصيل الشريعة .

إن هذا العصر الذي نعيشه يمتاز بسرعة في الآلية الإنسانية انعكس على سرعة الذهنية الإنسانية نفسها ، ومن هنا أصبح الإنسان أكثر استعداداً للتطور , وصار لديه قابلية كبيرة للتجديد ، هذه القابلية تفرض علينا أن نقدم مشاريع تحمل روحاً تطويرية ، ولغة تجديدية في الرؤية الثقافية والفكرية والأشكال الحضارية كلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية سواء على مستوى القرار ، أو على مستوى التعامل .

لكن يفترض ألا يكون التجديد ثورة على المجتمع من داخله .

ويجب أن نسعى في تحقيق الأصالة الثقافية مع الواقعية التأثيرية , وكما أنه من غير المنطقي أن ننقطع عن تراثنا وتاريخنا فإن من غير المنطقي أن ننقل الصور التاريخية كما هي ليعرفها من لم يكن يعرفها ، التاريخ يعطينا الفكرة ويدع لنا رسم إطارها ، والتاريخية المطلقة شكلت عقبة في تطور فكر الأمم ، ونحن - أهل الإسلام - وإن كنا نمتلك تاريخية أصيلة إلا أننا يجب أن نكون معتدلين ، وأن ندرك أن الإسلام المنزل من عند الله ليس هو التاريخ الإسلامي بكل إشكالياته ، وتطوراته الثقافية والسياسية والاجتماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت