فهرس الكتاب

الصفحة 11987 من 27364

يفترض أن نتجاوز مرحلة الحديث المجرد عن الحدود الثقافية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية إلى صنع مشاريع النهضة ، وأن نتجاوز مرحلة التخصص الضيقة في دعوتنا، بل علينا أن نفلح في تجاوز أزمة المفهوم الضيق للدعوة والإسلام ، والطرح الذي يمارسه بعض الدعاة اليوم يمثل تقنيناً حدودياً للأثر الإسلامي حتى أصبح كثير من الإسلاميين لا يملك إلا خطاباً واحداً يناسب أنموذجاً واحداً من المجتمع والبقية في دائرة الصراع أو التجاهل .

والملاحظ أن لغة كثيرين منا ومشاريعهم المقدمة غير كافية لاستيعاب حركة المجتمع ، وظروفه القائمة ، والإسلام جاء واقعياً في خطابه ، وفي تشريعاته ، ولهذا صارت الشريعة متدرجة في كثير من الأحكام .

بعضنا اليوم يتجاهل هذه القيمة أو لا يفقهها تماماً ، والإسلام ليس ورقة تمنحنا الوصاية على الناس ، أو حركة لمراقبة الفرد من الداخل البشري ، إنه مراقبة بين العبد وربه ، ولهذا يجب أن يكون مقصودنا تديين الناس لرب العالمين ، وليس أن نحظى بالتبعية والالتفاف حولنا .

7/ من إشكاليات الرؤية عند بعض الإسلاميين تقديم المطالبة الكمالية للإسلام ، ورسم صورة مثالية للالتزام والتدين ، والمطالبة بالنموذج الكلي في التدين ، وتمييز الدعاة أنفسهم بلغة خاصة ومظهرية خاصة , وربما صعبت الحركة داخل المجتمع أو بعبارة أظهر أصبحنا إلى حد كبير غير قادرين على الاندماج داخل مجتمعاتنا الإسلامية، وأصبح المجتمع الإسلامي في كثير من الأقاليم عاجزاً عن فهم التطبيق الإسلامي ، فإنه لا يشاهد إلا حركتنا الخاصة ، وهي حركة لها واقع محدود , وغير مؤهلة للتطبيع الاجتماعي ، وأصبحنا نتعاطف مع مجتمعاتنا في الأزمات فقط ، وربما نظرنا إلى الواقع الاجتماعي نظراً معقداً يتعذر علينا أن نندمج معه بشكل صحيح .

أيها الإخوة هذه في تقديري من مشكلات عملنا اليوم ، ولئن كانت هناك بداية رؤية إسلامية واعية تجاوزت هذه العقدة فما زال الواقع تحت سيطرة (النظرة الكمالية) في المطالبة .

من المهم أن نعي أن مجتمعاتنا قد تعجز عن الانتظار والإملاءات الخاصة التي بعضها ليس له وضوح شرعي .

والإسلام الذي يتعلق به حق الأخوة والحقوق الإسلامية ليس مقصوراً على التمسك الخالص التام ، بل هو تحقيق أصل الإسلام ، ويفترض أن نفتح علاقات ولائية صادقة مع كل أشكال المجتمع وطبقاته مع الدعوة إلى التمام والإيمان ، وترك منكر القول والفعل ، وألا نكون وحدنا وننتظر أن يتحول المجتمع إلى رؤية نقدمها .

إن هذه الرؤية لو كانت تمثل الإسلام تماماً لم يكن من الشرعي ولا من العقلي الوقوف في العلاقة الولائية التعاملية عندها ، فضلاً عن كونها محاولة خاصة قد تكون أحياناً غير مؤهلة للتطبيع الاجتماعي لكونها تقف وراء إلحاح معين في مفهوم نسبي ولو كان ذا قيمة مبدئية عالية .

8/ بعض صيغ العمل الإسلامي اليوم تتعلق بإلحاح نسبي يصبح في كثير من الأحوال هو قوامها الحركي والثقافي ، وربما ساعد على هذا التأكيد ما يحمله هذا المفهوم من قيمة مبدئية ، أو قدرة على تجاوز المرحلة عند نجاحه ، وخذ مثلاً: (المفهوم السياسي) إنه مفهوم نسبي ؛ لأن الإسلام ليس لغة أو رؤية أو نظرية سياسية فحسب ، ومن هنا كان مفهوماً نسبياً ، وهذا لا يعني أنه لا يحمل قيمة مبدئية خاصة .

إن المفهوم السياسي أساس في الإسلام ، بل أكثر المعارك ضراوة في العصر الحديث هي معركة الإسلام والعلمانية ، وأيضاً فإن المشكلة السياسية اليوم على مستوى الأمة مشكلة عميقة ومتداخلة مع غيرها ، لكن مع هذا القدر من الصدقية ؛ فإن من الصعب أن نتحول إلى إلحاح خاص على هذه المسألة ونحن نقدم الإسلام .

فرق - أيها الإخوة - أن نتكلم من واقع كوننا سياسيين فحسب ، أو أن نتكلم من واقع كوننا إسلاميين , والسياسة جزء من الإسلام .

وهذا المثل ( المفهوم السياسي ) يقال في غيره أياً كان هذا الغير . لماذا ؟

لأن الإسلام ليس رؤية نسبية ، ولأن مشكلة الأمة اليوم لا تتسم بالنسبية ، ولئن كان أهل الكتاب نسوا حظاً مما ذكروا به ؛ فإن هذا في الغالب هو الوجه الآخر للإلحاح على بعض جوانب الشريعة ومنحها فوق حقها .

9 / إذا نظرنا في واقعنا الإسلامي وصيغ العمل الإسلامي وجدنا قدراً كبيراً من الاختلاف والتمايز ، وإني أجد أن من غير المهم أن نشتغل كثيراً في التنظير لتوحيد العمل الإسلامي في هذه المرحلة ، لماذا ؟

لأننا لا نملك آلية التوحيد ، وأيضاً فإن هذا الواقع من غير المهم أن نسعى لتوحيده ، فربما كان توحيد العمل يمثل إلغاءً عند كثيرين ، وهذا يعني توليد الصراع من أجل توحيد العمل .

يفترض أن نكون واقعيين ، ونعرف قدر إمكانيات العمل التي نمتلكها ، لكن ربما كان من الخير أن نعي أنفسنا كثيراً , وندرك أن هذا الاختلاف يمكن أن يتحول إلى تعددية إسلامية حميدة تستوعب الواقع كله .

إن المجتمعات بل والأفراد تختلف عقولهم ونفوسهم والمؤثرات التي يقعون تحتها، وهذا يجعل التعددية مطلباً ملحاً مع المحافظة على أصول الدين وثوابت الشريعة وجعلها مرتكز الاجتماع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت