فهرس الكتاب

الصفحة 11986 من 27364

إننا نؤمن تماماً بعقيدة أهل السنة والجماعة ، ونؤمن كذلك بمنهج أهل السنة والجماعة ، لكن يجب أن ندرك أن هذه العقيدة هي حقائق شرعية صريحة ، وكذلك قواعد المنهج ، هي حقائق شرعية صريحة وليس نظراً واجتهاداً تحاوله جماعة أو حركة .

لقد نعى الإمام ابن تيمية كثيراً على الذين يرسمون مذهب السلف بأوجه من نظرهم ، واجتهادهم ، وذكر أن هذه طريقة مخالفة لطريقة السلف أنفسهم ، بل هي من طرق مخالفيهم ، وأن طريقة السلف تكون بالتواتر ، والإجماع في الحقائق الشرعية المتمثلة في عقيدتهم ومنهجهم . هذه حقيقة علمية يجب أن ندركها .

نعم . إنك حين تقول عن مقالة أو فعل: إنها موافقة لمذهب السلف أو مخالفة له ، فيجب أن تكون المقالة أو الفعل موافقة أو مخالفة لأئمة السلف ، أو صريح النصوص .

ولم يكن من شأن أئمة الإسلام _ الصحابة ثم الأئمة بعدهم _ إدخال مسائل الخلاف والاجتهاد في الإضافة السلفية ، أو عصمة الصحة بأي شعار أو مفهوم ، أو حتى إيحاء ، ولا شك أن الاختصاص برؤية معينة قد لا يمثل معضلة كبرى ؛ إذا ما أدركنا الاختصاص والمحدودية في هذه الرؤية ، وإن كنا نفضل أن تكون رؤيتنا أكثر استيعاباً حتى تكون أكثر هداية .

5/ يجب أن نحدد الثوابت بشكل واضح ، وأن نتجاوز إشكالية الربط بين هذه الثوابت وبين الصور الإلحاقية لها التي هي إنتاج للاجتهاد والنظر ، وأن ندرك أن هذا الربط لا يمثل عصمة ضرورية لهذه الإلحاقات الاجتهادية .

والتخريج على الثوابت أصبح اليوم يمثل معضلة علمية ، لقد استعمل الفقهاء في مذاهبهم التخريج الفقهي على القواعد ، أو حتى على قول الإمام , وطرأ في المعرفة السلفية المعاصرة عند بعض فضلاء الدعاة التخريج على الثوابت ، فأنتجوا فروعاً كثيرة ألحقت في القيمة المبدئية بالثوابت السلفية ، وهذا في الغالب هو سبب الانقسام اليوم في الرؤية السلفية ، بل وعدم وضوح الاتصال السلفي في عدد من المناهج المنتسبة للسلفية اليوم .

إن السلفية يفترض ألا تكون متجاوزة للهدي الإسلامي ، وهذه حقيقة شرعية وعقلية لازمة ، ويجب أن يبقى الأصل أصلاً ، والخلاف خلافاً ، والاجتهاد اجتهاداً .

ولئن كان بعض الإخوة اليوم ينقمون على من يريد أن يحوّل الأصل إلى اجتهاد ، فكذلك يقع اللوم على من يحول الاجتهاد والخلاف إلى أصل .

6/ أيها الإخوة يفترض أن تكون الدعوة قادرة على استيعاب كل إشكاليات العالم المعاصر , وليس غريباً أن نكون منقسمين تجاه هذه النظرة قبولاً أو رفضاً ، ولكن ربما كان من الخير أن نفكر في سببية انقسامنا أمام وجهات النظر ، والأطروحات المقدمة من داخلنا أو خارجنا .

إن الاختلاف ينبغي أن يكون مقبولاً ، نعم ! لكن ليس من الخطأ أن نعرف سبب اختلافنا ، بل هذا هو حقيقة الفهم للخلاف .

يتفق الإسلاميون على رفض المشروع العلماني فكراً أو تطبيقاً مع إدراك أن الرؤية العلمانية تعترف بدائرة مخصصة للدين ، ولكنها تفرغ الدوائر الأخرى من الأثر الديني وفي الرؤية الإسلامية: ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (الأنفال: من الآية39) وهذا الموقف الواضح يمثل رؤية شرعية مشرقة وعمقاً إسلامياً ، ولكن حينما تتحرك في داخل المشاريع الإسلامية تجد في كثير من الأحوال إشكالية البناء على وفق هذا الموقف ، وهنا ربما استعمل كثير من الإسلاميين محاولة جادة للهيمنة الشرعية على الدوائر التي تمثل شكلاً استقلالياً: الاقتصاد ، الإعلام ، المجتمع وحركته ، التربية ، النظم ، والتعامل ، تتمثل في الاقتصار على لغة الحكم على الأشياء , خاصة أحكام الرفض والمنع دون رسم واضح للبديل الشرعي, أو الصياغة الشمولية لهذه الدوائر القائمة التي تزاحم العلمانية عليها لفرض وجودها ، وقد نجحت في بعض الأحوال ، ومن أسباب فرض العلمانية وجودَها أو حتى تأثيرها الذي قد لا يدرك كثيرون من العامة مبادئه الأولى الفراغ الذي تركه الإسلاميون في هذه الدوائر .

إن إعطاء أحكام المنع والتحريم لصورة في الاقتصاد والاجتماع ونحوها ليس كافياً .

لتكن هناك مبادرات إسلامية يعيش الناس في ظلها اقتصادياً واجتماعياً ، وهذا شمولية الرسالة .

فالإسلام لم يأت ليلاحق أشكال التجاوز البشري فقط في أي مجال من مجالات الحركة البشرية ، والرسالة الإسلامية تضمن صياغة مشاريع النهضة الشمولية في أي دائرة .

يفترض - أيها الإخوة - أن نمتلك صياغة ذات قيمة عملية في كل الدوائر: الثقافية ، الاجتماعية ، الاقتصادية ، التربوية .

والحركات الإسلامية اليوم تعاني مشكلة في تبشيرها بالمشروع الإسلامي ، من حيث عجزها عن مواكبة التبشير العقدي بصياغة حياتية تقدم البديل الشرعي , بينما هي تواجه مشاريع علمانية متمكنة في الواقع ، وربما كان من أهم الأسباب هنا القصور في المرجعية العلمية القادرة على التعامل مع الحال القائمة .

إن امتلاك مشروع تطبيقي يعني كثيراً من الواقعية في الطرح الإسلامي ، وأنت لم تفعل شيئاً كثيراً بمجرد الحكم على الواقع بالتجاوز أو النقص ، أو حتى بتجاهل الواقع الثقافي والاجتماعي والتربوي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت