فهرس الكتاب
إننا نمضي كثيراً من الوقت والجهد في ترتيب تسابقنا الخاص ، وتصنيف بعضنا بعضاً، وهذه فيما أحسب سذاجةٌ يعاني منها كثيرون . نعم ! إننا حين نضع الرؤية الخاصة بنا ميزاناً لنفوسنا ولغيرنا , فإننا نكون سذّجاً ؛ لأننا نعيش تقابلية غير ممكنة الاستيعاب , ومن هنا كان المفترض أن نخضع جميعاً للإسلام ولحكمه وميزانه ، وأن ندرك واقعنا الخاص بشكله البشري المعقول , وأن من غير العدل قصر دين الله ورسالة الإسلام أو حصرها في رؤية أو محاولة خاصة , ولو كانت تتمتع بمشاعر ومقاصد فاضلة ، ونيات حسنة ، وأهداف نبيلة .
وفي تقديري أن من الإشكاليات اليوم تلخيص الإسلام برؤية يرسمها شخص أو أشخاص ربما لم يصلوا رتبة الفتوى , فضلاً عن الاجتهاد !
أيها الإخوة والأخوات! يفترض أن نتخلص من النظرة الجاهلية لمجتمعاتنا ، وأن ندرك أن في مجتمعاتنا خيراً كثيراً ، وقابلية للتصحيح ، وأنها محل الدعوة والمجاهدة والصبر على التواصي بالبر والتقوى والحق والصبر ، وأن نهدّئ من الطرح الخاص الذي يرسخ الحدود والفواصل بين فئات الأمة لمصلحة الخطاب العام الذي يعيد الثقة بالأمة الواحدة كما يسمها الله سبحانه في كتابه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92] .
من الصعب أن ينقلب الإسلام إلى مفهوم حزبي واحد , أو رؤية لجماعة إسلامية واحدة ، فيكون مشروعها بتمام صياغته هو الإسلام أو أرقى رؤية للإسلام .
إن كثيراً من إخواننا قد يعترضون كثيراً بالحقيقة النبوية ( الفرقة الناجية , أو الطائفة المنصورة ) صحيح أنه تواتر عن رسول ا صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن والمسانيد أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين ، لكن هذه الطائفة يجب أن تعرف من منهاج النبوة نفسه أنها الطائفة القائمة بأمر الله ، كما وصفها الرسو صلى الله عليه وسلم أي القائمة بالإسلام كما جاء من عند الله المتمثل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة .
وهذا يتطلب قدراً من الفقه للإسلام ، ومعرفة الحقائق الشرعية على وجهها الصحيح ، ولئن كان علماء الأمة وأئمتها الأوائل وضعوا قواعد الاعتقاد ، وقواعد الشريعة ؛ فإن صور التطبيق في الحكم على الأحوال الطارئة لا يزال بحاجة إلى فقه ورؤية شرعية .
إن إخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الفرقة الناجية لم يكن من أجل أن تتخذ شعاراً يصادر به المسلم أخاه المسلم ، أو يجتاح عرضه ، وربما دمه أحياناً ، أو ليكون ذريعة للقطيعة مع الأمة التي تحقق لها وصف الإسلام ، وإن أخلّت بكثير من أحكامه وواجباته ومقوماته .
لقد كان من أُسُسِه - عليه الصلاة والسلام - ( المسلم أخو المسلم ) ، (كل المسلم على المسلم حرام ) ، ( وكونوا عباد الله إخواناً ) وعليه يجب أن ندرك أنها من أسس الفرقة الناجية .
يجب أن نفرق - كما جاءت الشريعة بذلك - بين ثوابت الإسلام ، والاجتهاد الخاص الذي يستعمله من هو أهل للاجتهاد ، فضلاً عمن هو دون ذلك .
إن الإشكالية تقع في كون بعضنا ينتج رؤية مبنية على جملة من الثوابت الشرعية ، مع جملة من الحركة المعرفية الاجتهادية التي تكون - في كثير من الأحيان - هي المنتج للصياغة المنهجية ، فيتمثل عند كثيرين أن المخالفة للحركة المنهجية ، أو لهذه الرؤية يمثل مخالفة للإسلام ؛ ولهذا يعيش كثيرون روح الجهاد الخاصة في مثل هذه الظروف ، وكأن الفرقة الناجية المخبر عنها في الأحاديث النبوية يجب أن تكون مجموعة دعوية خاصة ، أو جماعة ذات علاقة واقعية بشرية قائمة وارتباط ذاتي في التعامل .
أو كأنه يجب أن تكون - من خلال منهج اجتهادي خاص في التصحيح والتربية والدعوة - وحدها الممثل للفرقة الناجية ، وربما حاولنا ( عند ظهور من يحاكينا في الرؤية والفهم ) إضافة أو ترسيم مسائل اجتهادية جديدة بالطابع الثبوتي لنبقى أصحاب الاختصاص الشرعي الاصطفائي وحدنا ، حتى ليغدو التميز عن غيرنا هدفاً نسعى إليه ولو بالإلحاح على بعض الفروع والأحكام , أو حتى الفتاوى الفقهية الخاصة في مسائل يسيرة كصدقة الفطر , أو جلسة الاستراحة , أو استخدام لغة معينة في الفقه والصياغة ، مع أن التميز المحمود المشروع إنما هو عن غير المسلمين أو عن الفجار ، أما المسلم العدل فقد يفضي تقصّد التميز عنه إلى نوع من الشهرة .
كان في مقدمة رسالة الإمام ابن تيمية ( الواسطية ) : ( أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة ... ) .
وفي المناظرة قال له بعض علماء الفرق المخالفة لهذا المعتقد المفصل: يكون أئمتنا غير ناجين لمخالفتهم هذا المعتقد ؟! فقال الإمام ابن تيمية: أنا أقول: كل من اعتقد هذا المعتقد فهو ناج عند الله ؛ لكونه هو المذكور في النصوص الصريحة ، ومن خالفه فلا أحكم عليه بعدم النجاة في الآخرة ، بل هو وربه ، والله لا يعذب إلا من عصى من بعد ما تبين له الهدى .