فهرس الكتاب

الصفحة 11984 من 27364

يفترض أن نؤمن بحقيقة شرعية عقلية تعني هذا المعنى، محصلها أن المطالبات الممكنة ليست بالضرورة هي الأفضل من حيث المبادئ النظرية , وحديث بناء الكعبة خير مثال على ذلك ، وحتى في أصل التشريع ، فإن اقتضاء الأدلة الشرعية للأحكام يكون على وجهين- كما ذكره الشاطبي في الموافقات (3/51) , ونحوه في إعلام الموقعين (3/2) -:

أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض , وهو الواقع على العمل مجرداً عن التوابع والإضافات ، كالحكم بإباحة الصيد والبيع والإجارة وسن النكاح وندب الصدقات غير الزكاة , وما أشبه ذلك .

والثاني: الاقتضاء التبعي, وهو الواقع على المحل, مع اعتبار التوابع والإضافات ، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا أرب له في النساء , ووجوبه على من خشي العنت , وكراهية الصيد لمن قصد به اللهو , وكراهية الصلاة لمن حضره الطعام , أو لمن يدافعه الأخبثان .

وبالجملة: كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران أمرٍ خارجي .

إننا نؤمن بأهمية التناسب بين النظرية والتطبيق , ولئن كانت النظرية تؤثر في التطبيق فمن المنطقي ـ ونحن نضع (نظرية اجتهادية) في أي مجال: دعوي، اجتماعي، أخلاقي، اقتصادي ـ أن نحاول الاعتراف بالتطبيق , بمعنى أن نقدم نظريات تطبيقية , أي:يتدخل التطبيق في صياغة شكل النظرية ، وأقف مع هذا أكثر في الامتداد الثالث:

3/ من غير المنطقي أن تضع نظرية ، أو رؤية في أي مجال تأثيري في التربية ، في المنهج العلمي ، في المنهج الحركي ، في الدعوة وحركتها , أو غير ذلك وأنت لا ترى إمكانية التطبيق لهذه الرؤية أو النظرية , ومن حكمة التشريع أن أصول الدين توحيد الله ، والإيمان به وبرسله ، ونحوها ، لا يمكن أن تقع تحت عدم الإمكان؛ ولهذا اتفقت عليها الرسل والأنبياء ، وخوطب بها سائر بني آدم .

إن من الأزمات اليوم أن ثمت كماً كبيراً من النظريات المجردة غير المؤهلة للتطبيق أو القابلة له ، وكثير من أصحاب العمل الإسلامي اليوم يواجهون هذه الإشكالية ، وربما تجاوز كثير منهم هذا بالإصرار على الصراع مع الواقع لفرض نظرية ، أو رؤية اجتهادية وربما قضى الكثير من الوقت في هذه الدائرة ، وحاول تهدئة نفسه بشعور مجاهدة يتمثل في هذا الصراع .

وهنا يقع تمكين الأزمة وتعميقها ، وهو حين يلقي بشكل عفوي أو حماسي جلباباً شرعياً على مشكلة منتجة طارئة يجعل الاحتكاك بها أو محاولة كشفها وتصحيحها نوعاً من العدوان على قداسة شرعية !!

إن التصحيح الإسلامي في أي مجال يجب ألا يكون متعالياً على الواقع ، إن هذه القضية ذات تعقيد نفسي أكثر من كونها ذات تعقيد معرفي أو عقدي .

هناك نصوص شرعية كثيرة في ذكر الطائفة الناجية إلى قيام الساعة ، فيأخذها كثيرون بغير فقه مع ما عشقوه في نفوسهم من الصفائية الخاصة ، ثم يقدمون رؤية صفائية ذات طابع خصوصي ، وترسيم اجتهادي ، وتكون هذه الرؤية متعالية على الواقع ، وربما مثلت لمجموعة معينة نوعاً من الاصطفاء الشرعي الخاص يتجاوزون بها واقعهم ومجتمعهم ، وربما الأمةَ بنوع من الاعتذار النفسي كتصنيف الأمة التي لا تتعامل مع هذا الرأي الخاص تصنيفاً عقدياً , أو اجتماعياً أو نحو ذلك ، قد يكون شيء من ذلك صحيحاً ، لكن من الصعب إلزام الناس الخطأ وتعويق تجاوزهم له .

والفرقة الناجية - التي خصها الرسو صلى الله عليه وسلم - منهجها هو منهج الإسلام الذي بعث به الرسو صلى الله عليه وسلم أي أنها هي التي تمثل الوضوح الإسلامي ، ومن خصائصه إمكانية تطبيقه في كل زمان ومكان .

يفترض أيها الإخوة ! أن نكون واقعيين ، وهذا لا يعني أن نتجاوز القواعد الشرعية من أجل الواقع .

إن الإسلام جاء ليحكم على الواقع ويقدم التصحيح , وفي حديث بناء الكعبة على قواعد إبراهيم السابق إشارة إلى الرؤية الشرعية النظرية المجردة ( إلحاق الحِجْر , فتح بابين للكعبة ... الخ ) جنباً إلى جنب مع الرؤية الشرعية العملية الواقعية ( بقاء الكعبة على ما هي عليه إلى اليوم وإلى أن يشاء الله ...) وكلاهما دين وشريعة فما تمنا صلى الله عليه وسلم كان شريعة , وما فعله من تركها على ما هي عليه مراعاة لواقع معين هو شريعة أيضاً , وأمثال هذا كثير . فهكذا يجب أن ندرك ونفكر ، لكن مع هذا ليس من الحق أن نضع امتيازنا على حساب أمتنا التي مر عليها تاريخ طويل من الصراع ، والضعف والجهل بالشريعة ، مع التسلط الثقافي الغربي المعاصر .

4/ أيها الإخوة يجب أن نتجاوز الخطاب الخاص الموجه إلى التجمعات الخاصة ذات الطابع الموحد باسم ( جماعة ) ، أو ( منهج ) أو ( حزب ) ، أو ( علاقة ) أو نحو ذلك ، وليس معنى هذا ضرورة رفض التجمع الذي يقع به خير كثير أو تقتضيه أسباب مختلفة . إن وجود التجمع لا يلزم منه الاقتصار عليه .

إن العالم الغربي - ضمن مشروع ( العولمة ) - واضح في مخاطبة كل فرد أياً كانت ظروفه وأياً كان واقعه ، ونحن أحق بها وأهلها ، يجب أن نخاطب إخواننا المسلمين أياً كانت ظروفهم الواقعية في التربية والأخلاق والثقافة ، وغير ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت