فخير لمن يتوارون من بعيد أو من قريب (بالدعوة السلفية) أن يسارعوا إلى قمصهم البيضاء، فيلقوا بها في النار ليحرقوها، ويروا قمصاً سوداء غيرها بدلاً منها، حداداً عليها، فإنهم إن لم يسفكوا دمها، فقد أعملوا فيها كل حيلة بعجز عنها حتى الأشرار، والأعداء، ليوهنوها، ويقطعوا أنفاسها، ويضعفوا مرّتها، وكان ذلك منهم سراً وعلانية، وأخذ العهود على أنفسهم أن يكونوا عوناً للأشرار والأعداء على قطع الطريق على الطائفة التي بقيت من وراء رموزها الخالفين من بعد كهفها الواسع وثوبها السابغ، ولسانها الذرب الكاسح (ابن تيمية) -رحمه الله-، وأحسبهم قد نالوا مما يشتهون، وأنالوا الأشرار والأعداء أيضاً أزيد مما يشتهون ويريدون، فهل يكون منهم توبة، يفكرون من بعدها بعودة إلى مرابع دعوة الحق، بغربة إيمانية، يتفوقون بها على شهوات أنفسهم ويقصونها عن ركائب أهوائهم، ويعملون عقولهم بالنظر المتدبر. إن دعوة الحق الحق غنية - بحفظ الله لكتابه وسنة نبيه - عنهم، بل عن الملايين من أمثالهم، ويعزمون على الترفق بمن افتتن بهم، وصاروا على مشاقة بما زُين لهم من سوء القول والعمل•
وإني لفي عجب من العجب لا ينقضي وأنا أنظر في الأسباب التي أوقدت نار الفتنة والشقاق بين من تسموا بالسلفيين، أو نسبوا أنفسهم إلى السلفية وهم يرون الأمة تزداد وهناً على وهن في كل يوم، وذلاً إلى ذل في كل ساعة، وبلاء يحط بين ظهرانيها في كل دقيقة، وهم يزدادون إمعاناً في عداوة بعضهم بعضاً، واستكباراً على الحق الذي أتاهم بينهم ويظنون أنهم يحسنون صنعاً ثم يقولون في أنفسهم وعلى ملأ: إنهم على نهج محمد في اتباعه وإحياء سننه، ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ألا إلى الله تصير الأمور•
وأمر الدعوة السلفية (أقول: الدعوة السلفية جرياً مع الواقع) في الخارج ليس بأحسن حالاً، أو أرجى منالاً منه في الداخل ، واسألوا المواقع الكثيرة من مواقع الإنترنت ودور النشر والطباعة، واسألوا الشباب الضائع على أيدي ما سميتموه: بالأطياف•••، أين هم من هذه الفواجع العلمية الأخلاقية التي يدعي كل واحد أنه بريء منها ومن آثارها اللعينة التي زادت من إضلال الشباب وحيرة أولي الألباب؟
أرجو أن يعلم أولئك الأطياف أن من لم يحط علماً بآداب العلم والتعلم، فهو عاجز بل أعجز جداً من أن يدرك شيئاً مما أخذ الله العهد به على أهل العلم، ولو كان بأدنى قدر من مسائل العلم في الدين•
ولقد كان حقاً على جموع السلفيين أن تكون منهم مباهلة، يقفون بها أنفسهم على الحق المرتضى لله -سبحانه-، بفهم صحيح لمعنى قوله -سبحانه-: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعدون) ، وهل يكون من هذه المباهلة أن يُدَّعى أن الأمة في هذه الآية - أي الملة والدين - ليس دين الإسلام، أو أنه دين الإسلام ودين غيره، أو أنه يشاب الأمر فيه بشك؟ فإن كان شيء من مثل ذلك يكون؛ فهو اليقين بالكفر، ولا ينجيه منه إلا أن يؤوب بتوبة، يصدِّق فيها مباهله أنه لا إسلام إلا الإسلام الذي أنزله رب العالمين على قلب نبيه -عليه الصلاة والسلام-•
وإني لأخشى أن يصدق الظن في بعضهم - لا قدّر الله - بمثل شطر هذه المباهلة، وإلا، فلمَ الإصرار من بعض مدعي السلفية، الذين يزعمون أنهم قائمون على الأمر، وبالأمر، وفي الأمر، ومن الأمر، وعلى بينة من الأمر، وهم لا يزالون يلقون بحطب الفتنة على نارها، من غير ورع ولا خوف من عاقبة، وبإصرار على تدمير جسور المودة، وتقطيع أواصر المعروف، وهم بهذا وبمثله قائلون: (والعاقبة للظالمين !!) (ولا عدوان إلا على المتقين !!) إنه فقه الكفر، أو هو كفر الفقه•
سؤال:ما رأيكم في التسميات من نحو"التيار السلفي الجهادي"و"التيار السلفي العلمي"، وما مدى دقة هذه الأوصاف وصحة إطلاقها ؟
جواب:حسبك من شر سماعه، وأي شر أعظم من أن يطرق سمعك مثل هذا السؤال الذي يفضي بتفكيرك إلى صعدات مظلمة تحبس الدم عن قلبك، وتمنع الأنفاس عن صدرك، وتود إن بلغت نهاية الشوط أن يكون الله قد قضى عليك بالموت، وألا تكون قد سمعت ما سمعت، إذ ما يكاد يبلغ بك الظن أن تسمع أو أن يلقى إليك مثل هذا السؤال؛ فأي بلاء أشد من أن تقطع أواصر جماعة من المسلمين، فيصار بهم إلى أن يحمل فئة من المسلمين مسؤولية الجهاد، سواء أكان ذلك بدعوى من هذه الفئة نفسها، أم بإلصاق هذه الدعوى إلصاقاً ظنياً ظالماً أو صادقاً، من غيرها، ممن يتربصون بها الدوائر ويترقبون لها الفساد والسوء، وينتظرون أن تدور عليهم رحى الهلاك والفتنة•