فالجهاد شعبة من شعب الإيمان، وهو ذروة سنام الإسلام، وهو والهجرة ماضيان في الأمة إلى يوم القيامة، وقد استطاع أعداء الإسلام أن يجعلوا من الجهاد خطراً تحركه الأهواء المستطيرة بدافق الشر والرعب والخطر، يهدد الأمة المسلمة، وينذرها عواقب السوء، حتى في عقر دارها، ومعلوم أن الجهاد إحياء لموات الأمة، وإعلاء لكلمة الله في الأرض، وبعث لعزيمتها في نشر كلمة الحق، ودعوة التوحيد، ورفع الظلم عن المستضعفين، ووأد للفتنة في مهدها من قبل أن تشيع، وتوطيد لدعائم العدل، وكفٍّ لغوائل المكر السيئ والعدوان الباهظ، عن أن تنتقص بها حقوق المظلومين، إلى غير ذلك من كل ما يرتجى به تحقيق السعادة للعالم كله، وبالجملة فرسالة الجهاد والمجاهدين مجموعة في كلمة ربعي بن عامر: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة الناس إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) •
فشعبة الإيمان هذه - على ضخامتها، واتساع دائرتها، وتعدد أجزائها وشعبها، وبهاظة نفقاتها - ليس في وسع طائفة من الأمة القيام بها، وتصريف أمورها وشؤونها، وبخاصة إن كانت هذه الطائفة مترعة بالفقر، محاطة بانقطاع الرجاء، مثقلة بأغلال القهر والاستكبار والاستعباد المرعب•
إذاً: فإن يقال قول، أو إن ينطق بكلمة، تقطع به أو بها طائفة من الأمة عن الأمة، كما يقطع فرع من الشجرة عن جذعها؛ فذلك زيادة في ضعفها، وتفتيت لقوتها، وإذهاب لبأسها وشدّتها، وهو من قبل ذلك ومن بعده، تصديق لدعوى جديدة من الدعاوى الكثيرة، التي يذيعها أعداء الأمة، ويلصقونها بالإسلام والمسلمين، ولست بالقائل قولاً يزيد في باطل هذه الدعوى، بل إني قائل: إن على الأمة كلها أن تعيد مفهوم الجهاد إلى واقع حياتها، فيكون رجاء أو أملاً، يمضي بها أو يحملها على تحقيق ذاتها فتفوز فوزاً عظيماً، وتصل الناس بحبل الإسلام ورسالته وأصوله وأحكامه، وهذا جزء من رسالة المسلمين•
سؤال:كيف ترون مستقبل الحركات السلفية في ضوء التحديات التي تواجهها ؟
جواب:أحسبني بما أوردت في جوابي عن السؤال الأول كفاية وغنية عن جواب هذا السؤال، ويحسن أن يفقه من يسمون بالسلفيين وغيرهم الأخلاق النبوية التي ورثتها أمته، ليعودوا إلى ما كانوا عليه يوماً من رجاء فيهم أن يكونوا ممن قال الله فيهم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فهل يكون منهم ذلك، ليعلموا معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) وإلا كان منهم استكبار ومكر سيئ، وإيغال في ظلام لا ينقطع سواد أكنافه، لا يظهر منه حتى بصيص من نور خافت•
سؤال:أفتيتم - فضيلة الشيخ - ببعض الفتاوى حول مؤتمر السلام والتطبيع ، وقد أثارت جدلاً واسعاً. هل لكم أن تبينوا موقفكم من هذا ؟
جواب:واقع صار المسلمون فيه إلى مثل ما يعلمون من حالهم المأساة الفادحة، بضعفهم المستخذي، وعجزهم المردي، وتفرقهم المزري، والفتن الدائرة برحاها، تأكل من أطرافهم، وتوردهم موارد البغضاء الصارفتهم عن دينهم، المذهبة لكرامتهم وعزتهم، التي أنستهم دينهم أو نسوا هم فيها دينهم بأنفسهم بهجرهم كتاب الله وسنة نبيه حكماً، وتحكيماً، وقضاءً، وتشريعاً، ودعوةً، وتعليماً، وصرفاً للفضائل وإعلاءً للرذائل، وإشاعة للفحشاء والمنكر، وإذاعة للسوء والفساد، وارتضاء للحرام واستغناء به عن الحلال•
وليس يخفى على ذي لب وبصيرة أن كثيراً من أفراد الأمة المسلمة اليوم أعلنوا الحرب على الله إما فعلاً وإما تركاً، أما بالترك فشرائع الله وأحكامه - وهي المقتضى الحق لكلمة التوحيد - مهجورة ملقاة من وراء الظهور، على علم منها أنها مهجورة•
وأما بالفعل فيكفي أن نستذكر قول ربنا -سبحانه-: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) ، فهل يكون في وسع الأمة أن تمتنع من هزيمة شنعاء يوقعها الله -سبحانه- بنفسه عليها•
والعقلاء المؤمنون يعلمون أن الأمة وقد استبدلت هذا بذلك، أنه لا يجوز الاستفتاء في هذه الأمور وغيرها وقد باءت بإثم ما هي فيه من تحكيم شرع غير شرع الله، و واقعها ينبئ بما لم يعد خافياً أنها في منأى عن قول الله -سبحانه-: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) ، وقوله: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً) •
كل ذلك وسواه ليس فيه مكان أو موضع أو حتى مناسبة لأن يكون يوماً ما طمع حتى في أن يستفتى في هذه الطامات الراجفات المرجفات•
ثم ومن قبل أن يكون استفتاء فيها فهناك استفتاء فيما هو أهم وأعظم، فإذا ما كان جواب عليه حسن الاستفتاء فيها وهو: هل يجوز لأمة استأمنها الله على شريعته وحماية دينه، وإقامة حدوده، والحكم بكتابه وسنة نبيه، أن تعرض عنهما وتعطل الحكم بهما وتحكم شرائع الأرض، وتستبدل الذي هو أدنى (قوانين البشر) بالذي هو أعلى (دين الله) ؟