فهرس الكتاب

الصفحة 12044 من 27364

ومن أمثلة المحكمات ما رواه الترمذي (3070) وحسنه والبيهقي في شعب الإيمان (7539) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه ؛ فليقرأ هؤلاء الآيات (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [ الأنعام:151-153] .

ولذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (35844) عن كعب الأحبار أنه قال: كان أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت في آخر سورة الأنعام، وهي ما يسمونها بـ"الوصايا العشر"وعليها مدار الرسالات السماوية، والرسل ـ صلى الله عليهم وسلم جميعاً ـ اتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء، ومما اتفقوا عليه هذه الوصايا العشر التي عليها مدار صلاح الدين والدنيا، وأما ما اختلفوا فيه، فمن الفروع، في الأحكام، والحلال والحرام وغير ذلك من المسائل المؤقتة القابلة للتغيير والتبديل والنسخ، ولهذا قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:"إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب"ثم قرأ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: 151] "رواه الحاكم (3291) وابن أبي حاتم في التفسير، فكأنه سئل عن قول الله - عز وجل -: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) فأجاب بذلك، [آل عمران: من الآية7] ؛ ومثل ذلك ما رواه الطبري في تفسيره أنه قال ـ يعني ابن عباس ـ: المحكمات هي الآيات الثلاث من سورة الأنعام، وكذلك من سورة الإسراء (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) [الإسراء:39] فهذه الآيات فيها تحديد للمحكمات والقطعيات والضروريات، التي عليها مدار الاجتماع، ومدار وحدة الكلمة ."

والمحكمات الواردة في هذين الموضعين من القرآن الكريم عشرة:

أولاً: وجوب عبادة الله وتحريم الشرك به .

ثانياً: وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما .

ثالثاً: وجوب حفظ النفس، وتحريم القتل بغير حق سواء كان قتلاً للقريب كالأولاد، أو للبعيد.

رابعاً: تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

الفواحش الظاهرة كالزنا، وشرب الخمر، والربا وغيرها.

والفواحش الباطنة كالفواحش القلبية مثل: الغل، والحقد، والحسد، والنفاق، وغيرها من المعاني الباطنة، ومثله ما يقع في الخفاء من الفواحش .

خامساً: حفظ المال وأداء الحقوق فيه للمحتاجين، ومن ذلك عدم العدوان على أموال اليتامى وغيرهم.

سادساً: وجوب الوفاء بالعهد والميثاق سواء كان عهداً مع الله - تعالى - أو عهداً مع خلقه، وكلما كان هذا العهد أوثق كان الوفاء به أعظم .

سابعاً: وجوب العدل - وهذا من أعظم الأصول - في الأقوال والأعمال، ووجوب الوزن بالقسط (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن:9] .

ثامناً: تحريم الكبر، وتحريم الأخلاق المذمومة كلها بعامة، والأخلاق المذمومة تعرف بالشريعة، وتعرف بالعقل، وتعرف بالفطرة.

تاسعاً: وجوب اتباع صراط الله المستقيم وتجنب السبل المضلة (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153]

عاشراً: ترك قفو الإنسان ما ليس له به علم، واستشعار الإنسان المسؤولية عن السمع والبصر والفؤاد واللسان (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 36] .

ومما يدخل في هذا أن كثيراً من الناس ينهمكون في ضرورة تكوين رأي عن كل قضية، وقد لا يكونون متأهلين لذلك، إما بحكم حداثة السن، أو قلة الفقه في المسألة، أو قلة الاطلاع على تفاصيلها، أو للانشغال بما هو أولى وأهم منها، ومع ذلك قد يصر على أن يكون له رأيٌ في كل مسألة يرى الناس يصطرعون حولها أو يختلفون فيها، وكان الأولى به أن يتجاوز هذه النقطة ويتركها إلى ما هو أولى وأهم منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت