فهرس الكتاب

الصفحة 12045 من 27364

يقول ابن تيمية: إن الرسل كلهم - عليهم الصلاة والسلام - متفقون في الدين الجامع في الأمور الاعتقادية والأمور العلمية كالإيمان بالله تعالى والملائكة والكتاب والنبيين ... إلى غير ذلك وكذلك الأصول العملية كالأعمال المذكورة في سورة الأنعام ؛ فهذا من الدين الجامع الذي اتفق عليه الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام

التأسيس لوحدة الصف

إن بناءَ الوحدة الأُخَويَّة الإيمانية بين المسلمين بعامة، والدعاة وطلبة العلم بخاصة على هذه العِصَم الكبار من أصول الشريعة، ومحكمات الدين ضمانٌ لديمومتها واستمرارها وحماية لها من التصدع والانشقاق والانهيار؛ لأن هذه المسائل واضحة لا لَبْس فيها، وهي أصول وقواعد يرد إليها غيرها، وهي -أيضاً- ثابتة مستقرة لا مجال للخلاف، أو التردد، أو الشك، أو الطعن فيها، فلا يمكن -بعد أن تمضي علينا سنوات ونقطع جزءاً من الطريق- أن نعود أدراجنا لنجادل في هذه المحكمات -مثلاً- أو في هذه الثوابت، أو في هذه القواعد المستقرة؛ فينشق منها مجموعة تخالف في أصل أو ثابت، فهذا يعدُّ نوعاً من الضلال، ولذلك إذا كانت الوحدة مبنية على هذه الأصول الكبار العظيمة، ووفق الفهم الشرعي السليم البعيد عن الانحياز فإنها تكون وحدةً راسخة ثابتة مستقرة لا تتغير بالمتغيرات؛ والمتفقون عليها بمأمن من الخلاف الذي يُحْدِث الفرقة والانشقاق، بينما بناء الوحدة على غير هذه الأسس أو عليها، ولكن مضافاً إليها شروط، وفروع، وتفاصيل، واجتهادات، ومفردات أخرى يجعل هذه الوحدة عرضةً للخلاف كلما مر جزء من الوقت، وكلما تنوعت الاجتهادات، وكلما كثر الناس، وكبرت عقولهم، واتسع علمهم، وبحثوا وحققوا.

ولذلك تجد الطلبة -مثلاً- حينما يتلقون عن شيخهم أول الأمر؛ فإنهم يأخذون اجتهاداته وترجيحاته مأخذ التسليم؛ لأنه ليس عندهم تأهل علمي للبحث، والتحري، والمراجعة، والتصحيح، والتحقيق، لكن عندما يكبرون، وتتسع علومهم ومداركهم، ويتحولون إلى نوع من الاجتهاد، والبحث في الكتب، والنظر في أقوال أهل العلم، يبدؤون بمخالفة شيوخهم في الاجتهادات أحياناً، وقد يختارون من الأقوال غير ما اختار شيوخهم، وقد يوافقونهم على بعض الأمور، وقد يوافقونهم على جزء من القول، ويخالفونهم على جزء آخر منه، فهنا لم تكن الوحدة، ولم يكن الولاء مبنياً على هذه المفردات، أو على هذه الفروع، أو على هذه الاجتهاديات القابلة للمراجعة، وللنظر وللتصحيح، فلو كانت الوحدة مبنية على هذا لكان بناءً على غير أساس، أو على أساس من الملح إذا جاءه المطر ذاب وانهار، أما إذا كان البناء مبنياً على قواعد راسخة وصلبة من البناء القوي المتين المحكم فإنه يكون بمنجاة من التعرض للخلل أو الاهتزاز يوماً من الأيام.

فإذا كانت الوحدة وكان الولاء مبنياً على اختيار قول فقهي خلافي، ومنابذة من خالف هذا القول سواءً كان في مسائل العبادات أو المعاملات أو غيرها، أو بنيت الوحدة على فرع ينتج من تطبيق مبدأ على محلّه، فقد يكون المبدأ متفقاً عليه، لكن تطبيقه على المحل موضع اختلاف بين النظار والفقهاء، كذلك إذا بنيت على رأي خاص في بعض النوازل وبعض المسائل الاجتهادية الطارئة.

فمثلاً: قوم اجتمعوا وتحالفوا على التزام جلسة الاستراحة في الصلاة، واعتبار أن من الشروط الإيمان بأن هذه الجلسة مطلوبة، بل يبالغ بعضهم ويقول: إن هذه الجلسة وإن كانت مستحبة إلا أنها أصبحت شعاراً لنا يميزنا عن غيرنا من الناس من المسلمين، مع أن التميّز عن عامة المسلمين ليس مطلوباً في الأصل إلا أن يكون تميّزاً بحقٍ لابد للإنسان منه، من غير أن يتقصد أو يتعمد التميّز أو الشهرة عن جماعة المسلمين، وإذا كان الاتفاق والولاء والوحدة مبنية على الجهر بالبسملة في الصلاة، أو الإسرار بها، أو على وضع اليدين على الصدر أو أسفل من ذلك، أو على القنوت في الصلاة أو ترك القنوت، أو على القول بإبطال الحجامة للصيام، أو على الحكم بتكفير شخص أو جماعة، أو فئة، أو طائفة، أو بدعية هؤلاء مما ليس أمراًً قطعياً ولا ظاهراً؛ وإنما قد يكون -على أحسن الأحوال- محلَّ نظر وتردد واجتهاد، وقد يكون خطأً من قائله؛ فإذا كان الاجتماع مبنياً على مثل هذه المعاني فإن معنى ذلك أن الوحدة عرضة للتغيّر بعد حين، وهو اجتماع -لا محالة- آيل إلى الفراق؛ لأن هذه الأمور مع تقدم الوقت، وسماع الإنسان أدلة أخرى ووجهات نظر أخرى تتغير قناعته، ويبدأ التحرير والبحث والتحقيق؛ خصوصاً إذا كان عنده قدر من الولاء للحق والرغبة في الوصول إليه؛ فيؤول الأمر إلى انشقاق طويل عريض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت