فهرس الكتاب
والمشكلة الأعظم هي في الأتباع الذين يتعصب بعضهم لهذا، وبعضهم لهذا ويضخمون الأمور ويبالغون في النقل ويكذبون؛ ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:"ومن نصب شخصاً كائناً من كان، فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً , وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قومٍ من المؤمنين مثل أتباع الأئمة والمشايخ؛ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم المعيار فيوالي من وافقهم، ويعادي من خالفهم، فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به فهذا زاجر , وكمائن القلوب تظهر عند المحن ... وليس لأحدٍ أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها؛ لكونها قول أصحابه, ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله , أو مما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به إلا القرآن الكريم أولاً؛ فإنه نور وهدى، ثم يجعل كلام إمام الأئمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم كلام الأئمة , ولا يخلو الداعية من أمرين:"
الأول: أن يكون مجتهداً؛ فالمجتهد ينظر في تصانيف المتقدمين من القرون الثلاثة , ثم يرجِّح ما ينبغي ترجيحه .
الثاني: المقلِّد يقلد السلف أيضاً؛ إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها، إذا تبين هذا؛ فنقول كما أمرنا ربنا (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:136) ، ونأمر بما أمرنا به, وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه, أو على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه) (الحشر: من الآية7) ؛ فمبنى أحكام هذا الدين على ثلاثة أقسام: الكتاب، والسنة، والإجماع . انتهى كلامه . (محاذير وتنبيهات)
وفي سياق هذا الموضوع هناك محاذير ينبغي التنبه لها:
أولاً: من المحاذير المهمة البحث عن نقاط الاتفاق , وليس عن نقاط الخلاف؛ لأن الذي يدخل بروح التفحص والاختبار سيجد إما في عمومية اللفظ أو ملابسة الموقف أو ظروف الاجتهاد ما لا يروق له , وأمور الناس ينبغي أن تؤخذ بالستر والعافية وحسن الظن .
ثانياً: اجتماع الكلمة والولاء بين المؤمنين عامة مبني على أصل الإيمان , وأصل الإسلام , فكل من ثبت له الإسلام والإيمان ثبت له أصل الإخاء، والإيمان يزيد وينقص، وكذلك الإسلام يزيد وينقص , فلكل مؤمن ومسلم من الحقوق العامة القدر الذي جاءت به النصوص الشرعية , ويكمل الحق بكمال الإيمان وكمال الإسلام , أما ما تراه خطأً يحتاج إلى تصحيح وتصويب؛ فإن الأخوّة لا تمنع التصحيح والتصويب والاستدراك المشفق الرحيم الناصح , والتصويب والتصحيح والاستدراك لا يمنع من القيام بالحقوق الأخرى , وقد يجتمع في المرء الواحد إيمان ونفاق , ويجتمع له ولاء وبراء، ولذلك يضرب العلماء ـ مثلاً ـ بالفقير السارق تقطع يده لسرقته , ويعطى من الزكاة لفقره، ولا ينبغي إقامة أحد الأمرين أعني: ( الولاء، والبراء ) للمؤمن بتقويض الآخر , بل يجمع بينهما كما جمع بينهما ربنا قال الله ـ تعالى ـ: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض) [التوبة: 71] فأصّل وأسّس لقاعدة الإخاء الديني بين المؤمنين، فكل من صح له وصف الإيمان تم له وصف الأخوة، وهكذا الآية الأخرى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] ثم أصَّل لقاعدة النصيحة والتصحيح بقوله - سبحانه وتعالى: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110] ، فالإيمان لا يمنع النصيحة والإصلاح, والنصيحة والإصلاح لا تمنع أداء حقوق الإخاء الديني بين المؤمنين .
ثالثاً: التصحيح مطلب , لكن بالرحمة والشفقة، وبقلب محب ناصح يتحرى الخير، ويؤثر حسن الظن، ويقدم العذر، ويحفظ حقوق الأخوّة , ويجب الحذر من حظوظ النفس الخفية التي قد تحدث فرحاً بالغلط الذي قد يقع من أخيك .
رابعاً: إياك أن تظن أن المقصود بهذا الكلام غيرك فرداً أو جماعة أو شريحة , أنا أقصدك أنت شخصياً، وبذاتك وعينك , فالذي نعانيه ونواجهه أن الداء مستحكم في الأمة، ومصاب الأمة بكل وضوح، هو من ذاتها قبل عدوها، والمشكلة تقع في داخلنا وفي ضمائرنا، وما لم نُعْمِل مبضع الجراح في عقولنا وقلوبنا وتصرفاتنا وأقوالنا وأعمالنا فلن نفلح .
إننا ننتظر دائماً من الآخرين أن يغيروا مواقفهم , ولكننا لا نقوم نحن بهذا الدور، ونخلط بين الثبات على الدين وبين التمسك برأي؛ لأنه سبق إلى آذاننا أو تلقيناه عن شيخ أو معلم، حتى لو كان رأياً مرجوحاً .