فهرس الكتاب
في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:"لما حصر رسول ا صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئاً قال: ( إنا قافلون غداً إن شاء الله ) فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه ، فقال اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح فقال: (إنا قافلون غداً إن شاء الله ) فأعجبهم ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ"فتبسم"."
وفي هذا الحديث من الفقه أن بعض النفوس المؤمنة لصدق يقينها تتطلب مقام الصبر والبلاء في ذات الله ولا يلزم أن يكون هذا الأمر مقصوداً للشريعة ، ومعلومٌ أن الرسو صلى الله عليه وسلم أكمل تحقيقاً لمقام الجهاد والصبر والصدق من غيره لكن لكمال علمه لم تغلب عليه حال واحدة ، بل واءم ووازن بين الأحوال المقارنة للموقف ، فراعى مصلحة الجهاد وراعى حق أصحابه رضي الله عنهم وراز قوتهم وتحملهم في هذا الموقف الخاص .
إن الكثير من الحوادث والنوازل يكون لها أبعاد قريبة يدركها كل أحد ، ويتكلم فيها العالم وغيره ، وهذه من الوضوح والإحكام بحيث لا تكون محل تردد ، لكنها لا تستأثر بالحكم والبت ؛ لأن ثمة جوانب أخرى ترفع المسألة عن كونها من الفرعيات اليسيرة ، وتتطلب أن يلزم المسلم جانب التحوط والهيبة والورع حماية لدينة وتقواه ، ورعاية لحقوق الأمة ومصالحها وحاضرها ومستقبلها ..
حقيقة الاجتهاد في النوازل هو رد حكم النازلة إلى قضاء الله ورسوله وهذا مقامٌ يختص بتمام الفقه فيه أهل العلم بالشريعة ، وقد تستدعي كثير من النوازل العلم بما يلابسها ويقارنها من الأحوال التي لا تنفك عنها ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره وهذه من قواعد النظر المسلمة .
ومن هنا فإن تجريد الحدث عن لوازمه وارتباطاته من المعارف والأحوال يُعد نقصاً في التصور ينتج عنه تأخر الحكم عن مرتبة الصحة ، ومما يعرض لبعض الناظرين استعمالُ ما هو من مفصل الأدلة ؛لتخريج النازلة على أحد الفروع المقولة لدى الفقهاء في مصنفاتهم ، وهذا من حيث الأصل هو من الاجتهاد المناسب ، لكن محل المؤاخذة حين يستعمل في حكم الحوادث العامة المعقدة والتي تتنازعها مؤثرات وموادُ عديدة فيجردها الناظرُ من كل ذلك ويُخرجُها مع فرع فقهي مخصوص وربما كان من موارد الخلاف بين الفقهاء ثم يجعل هذا منتهى البحث والنظر .
ولعل هذا أثرٌ للقصور عن تحصيل فقه المقاصد ومراعاته في اعتبار الأحكام ، ومن هنا فإنه وإن حسن اعتبار الفروع والتخريج على المناسب منها في النوازل فإنه لا بد مع ذلك من اعتبار قواعد الشريعة وأصولها المذكورة في كلام الله ورسوله ومعاقد إجماع أهل العلم .
بل يتحقق لكل عارفٍ أن الاعتبار الثاني أصل في أحكام النوازل العامة والاجتهاد فيها .
ولهذا ترى في سنة الخلفاء الراشدين وأئمة الفقه والحديث العناية بتحقيق هذا الاعتبار فيما يعرض لهم من النوازل .
ففي الصحيح عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام . قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم ، فاستشارهم واخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا ، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه . وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول ا صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن نقدمهم على هذا الوباء . فقال: ارتفعوا عني ثم قال: أدع لي الأنصار فدعوتهم له ، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم . فقال ارتفعوا عني ثم قال: أدع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح ، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان ، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء .
فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه . فقال أبو عبيدة بن الجراح: إفراراً من قدر الله ؟
فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ـ وكان عمر يكره خلافه ـ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله .
وقد صّدقت رواية عبد الرحمن بن عوف المرفوعة هذا الاجتهاد الراشدي وفي هذا الأثر من الفقه: أخذ أمور العامة بعزمٍ وتأمل ومراجعة ، وفيه قبول اختلاف المجتهدين في النوازل فإن المهاجرين والأنصار وهم مادة الصحابة ومقدموهم اختلفوا ، ولم يحفظ بينهم في هذا الاختلاف تذامٌ ولا تطاعن ولا تضييق لمقام الاجتهاد .
وكأن أهل الشوكة والصبر فيهم كانوا يميلون إلى المضي وعدم الرجوع ، وأهل الفقه في الجملة يميلون إلى الرجوع ، وهؤلاء أعرف بمقام الشريعة ، والأولون غلب عليهم تعظيم مقام الإرادة والعزم .
وفيه ترك الرهق الذي لا يستطاع وعدم ابتلاء بقية أهل العلم والإيمان والجهاد به ، وقريب من هذا المعنى سبق في خبر حصار الطائف .
وهذا الأثر وأمثاله ، يدلُ على أن تحصيل الموقف الشرعي لابد أن يتحقق في صاحبه ديانةٌ وعلمٌ وفقه وأناة ؛ فإن مقام الديانة يدفع الظلم ، ومقام العلم يدفع الجهل ، وهما موجبا الخطأ ، قال الله تعالى: [ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبيين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ] .