فهرس الكتاب
والقول في مواقف الأمة من أعظم الأمانة التي تنوء بحملها الجبال ، وإن من تقوى القلوب ألا يتحدث في المواقف العامة من لم يزن قوله بميزان الشريعية كما في قوله تعالى: [ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون .. ] قال غير واحد: الحق: الصدق .
إنه لا يكفي لموافقه الشريعة أن يكون الموقف مبنياً على مقام الصدق وحسن الإرادة دون أن يتحقق له مقام العلم والمعرفة ؛ فإن مقام العلم هو الذي يحقق موافقة مراد الشريعة وليس مقام الصدق .
ولهذا أمر الله تعالى باعتبار العلم عند الحوادث والنوازل كما قال سبحانه:[ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وألو الأمر هم أولوا الفقه في الدين وهم أولوا العقل والفهم كما ذكره ابن جرير عن بعض متقدمي العلماء .
إن مما يفوت كثيراً من عامة المسلمين وبعض خاصتهم عدم تحقيق الرد إلى الله والرسولل ، ولئن كان مظنوناً في جملتهم حسن القصد وصلاح النية في المواقف التي يتخذونها في حاضر الأمة وغابرها ، وهذا من فضل الله ورحمته ، إلا أن التقصير في تحقيق العلم والفقه ونقص قيمة الوعي وسلامة التفكير هو من موارد الفتنة وموجبات الفساد .
ومن له حظ من العلم والاجتهاد في تقرير أحكام الشريعة في هذه النوازل لا يصلح أن يكون فقهه ومدركه من جنس فقه العامة ومدركهم وبصرهم ؛ فإن الله تعالى قال: [ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ] بل هذه درجةٌ مخصوصةٌ من العلم شأنها كما قال الإمام الشافعي في الرسالة: هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامة ، ولم يكلفها كل الخاصة ، ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافة أن يعطلوها ، وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يحُرج غيره من تركها إن شاء الله ، والفضل فيها لمن قام بها لا من عطلها .
ومما يعرض لبعض أهل الاجتهاد في النوازل المبالغةُ في منازعة من يخالفه من ذوي العلم والدين ، وهذا من ضعف الفقه ؛ فإن اختلاف المجتهدين في مثل هذا أمر تفرضه حال الحدث ومادته وطبيعته ، مع تفاوت الأفهام والمدارك والعلوم.
ومن أسباب هذا التضييق لمقام الاجتهاد أن يكون الحدث مركباً من مواد شتى ، ويكون منه وجه محكم ظاهر يعرفه العامة والخاصة ويعتبرونه ، فيقصرون الأمر على هذا الوجه البين ولا يلتفتون إلى سواه .
وهذا يقع كثيراً أن يرد أكثر العامة ، بل وبعض الخاصة ، الأمر إلى جانب من جوانبه الصحيحة والبينة ، ولكنهم يقصرون الأمر عليه ، ولا يتفطنون إلى الجوانب الأخرى التي خفيت عليهم .
لكن أهل العلم والاعتبار يقع لهم نظر آخر ، لمحل آخر من هذا الحدث لا يدركه العامة ، وهذا من أسرار قوله سبحانه: [ يستنبطونه ] فإن الاستنباط يكون فيه نوع معالجة وجهد ، فهو من خصائص أولى العلم الذين يدركون جوانب من الأمر يغيب إدراكها أو استحضارها عن غيرهم .
إن الوجه المحكم في الشريعة الذي لا تنفك عامة الأحداث عنه يجب أن يبقى لحمة أهل الإسلام وعصمة اجتماعهم ، لكن يبقى لخاصتهم حق النظر في إحكام الموقف وتسديده على وفق قواعد الشريعة ، التي جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد .
وهنا نظر من الفقه ، وهو أن يكون الحكم المستنبط باجتهاد دقيق لا يفطن له كل أحد ، قد لا تظهر مناسبته عند بعض العامة ، بسبب الحكم الآخر الظاهر المحكم ، فيظن من يظن أن ذلك النظر الدقيق المستنبط يقتضي التفريط في الوجه المحكم أو مناقضته .
وليس الأمر كذلك عند من له علم وفقه .
وقد جاء في السنة قصة صلح الحديبية المخرجة في البخاري وغيره في سياق طويل ، وكيف أن الشروط التي قبلها r وإن رأي فيها بعض الصحابة ، بل بعض خواصهم وأكابرهم ، مفارقة لمقام الجهاد وعلو المؤمنين ، لكنه كان الخير والحق والصواب ، وسماه الله فتحاً [ إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ] .
وهذه السورة نزلت مرجعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية ، وهم يخالطهم الحزن والكآبة كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه .
ومن فاضل فقه الصحابة في هذا الوجه الذي قد يراه منافياً للوجه المحكم ما جاء في الصحيحين وغيرهما في غزوة مؤته ، فقد روى البخاري وغيره عن أنس أن صلى الله عليه وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: ( أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ، وعيناه تذرفان ، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم ) .
وأهل العلم وإن اختلفوا في تفسير هذا الحرف الآخر ، إلا أن من أرجح الأقوال أن الفتح المذكور تحيز خالد بالمسلمين عند عدوهم ، وسواء فسر هذا الحرف بهذا أو به وبغيره أو حتى بغيره ؛ فإنه يعلم بالإجماع أن تحيز خالد بالمسلمين كان محموداً وقد أقره الرسو صلى الله عليه وسلم وامتدحه وإن كان هذا لم يظهر مبدأ الأمر لبعضهم .
وفي الحديث من الفقه أن مقام حسن القصد والصبر وبذل النفس لا يحكم وحده سائر المواقف ، بل هذه الشريعة جاءت بمراعاة القواعد الشمولية العامة ، وهذا من فقه خالد لمقاصد الجهاد .