فهرس الكتاب

الصفحة 12126 من 27364

ومن أخص ما يجب على أهل الإسلام ألا يتخذوا العلم بغياً بينهم ؛ فإن الوحي نزل ليرد الناس إليه ويجتمعوا به على الحق ، وسائر أوجه الحق لا تظهر لكل أحد ، ويقع فيها ما هو من موارد النزاع المقر في الشريعة .

حقيقة الخلاف الذي أقرته الشريعة:

الناظر في آيات القرآن الكريم يجد أن الله تعالى ذكر الخلاف والنزاع في مورد الذم كثيراً وذكره أحياناً على أنه حال تعرض للمؤمنين كما في قوله سبحانه:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل"، وقوله تعالى:"وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله".

وهذه الحال العارضة المقبولة هي التي تقع بين علماء الأمة من الصحابة فمن بعدهم ، ومثل هذا لا يوجب الذم ولا الطعن ولا التأثيم باتفاق العلماء .

فإن من علم منه الاجتهاد السائغ لا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم ، حتى لو عُلم خطؤه ، فإن الله قد غفر له هذا الخطأ ، وأصل اجتهاده محمود في الشريعة ، وهو متردد بين أجر وأجرين ، كما ثبت في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه المتفق على صحته .

وتحريم الطعن والذم لا يوجب قبول الخطأ ، ولا ترك البيان .

وليس من شرع الله ولا قدره أن يتفق علماء الأمة في سائر مواضع الاجتهاد ، فمن لم يقدر لهذا المقام قدره فقد اتخذ العلم بغياً ، وهذا من أعظم أسباب الفساد الذي وقع لأهل الكتاب وخرجوا به عن حقيقة الإسلام الذي بُعث به جميع المرسلين ، ولهذا قال تعالى:"إن الدين عن الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب".

وإذا كان المجتهدون يؤمرون بالتعاذر وعدم الطعن على المخالف فكيف بالعامة الذين لا اجتهاد لهم أصلا ، وإنما فاضلهم هو مقلد لأهل العلم .

إن الخلاف المبني على مقام الديانة والعلم ، أعني اختلاف أهل الاجتهاد المعتبر في الأمة ، إذا تحولت الآراء المتعددة فيه إلى ولاءات خاصة ، ومفهومات للحزبية والطائفية ، فإنه يخرج بذلك عن كونه رحمة ومتابعة لحكم الله ورسوله ، ليكون تمزيقاً لأهل الإسلام ، ورجوعاً إلى أمور الجاهلية ، واتباعاً لسنة أهل الكتاب المنحرفين عن هدي أنبيائهم .

ومما يجب على أهل العلم فقهه وتعليمه للناس ألا تستباح قواعد الشريعة ومقاصدها بالمخالفة والرد ؛ لتأويل يستعمله ناظر ولو كان حسن القصد والإرادة .

ومما يعلمه المتأمل أن جمهور البغي الذي يحصل في الأمة هو بسبب تأويل سائغ عند أصحابه ، ولكنهم تحللوا به من عواصم الشريعة ومحكماتها لمعنى غلب في نفوسهم ، تزيده الغيرة ، وينقصه العلم .

وإذا كان كل عامل صادق في هذه الأمة يعنيه أمر اجتماعها والتفافها ، وترك التنازع والاختلاف المذموم بين خاصتها ، خصوصاً في أزمنة الضائقة والضعف وتسلط العدو .

فإن من المعلوم قدراً وشرعاً أن هذا الاتفاق لا يكون باتحاد القول والنظر والاجتهاد في مفردات المسائل وآحادها ، إذ هذا لم يقع لأبي بكر وعمر والراشدين ، بل لم يقع للخيرة من أ صحاب صلى الله عليه وسلم حال حياته ، إذ اختلفوا في تفسير هذا الحرف (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) ).

فاختارت مدرسة المقاصد أن الأمر مبناه على الإسراع وعدم التشاغل وصلوا في الطريق ، لا إهداراً للأمر النبوي الصريح ، ولكن إعمالاً لمقصده ، وجمعاً بينه وبين نصوص الأمر بالصلوات والمبادرة إليها وعدم تأخيرها عن وقتها الفاضل .

واختارت الطائفة الأخرى الوقوف عند النص وعدم تجاوزه ، فلم تصل حتى وصلت بني قريظة ، وقد فات الوقت ، أو فات وقت الاختيار ، كلاهما محل احتمال .

ومعظم المسائل التي اختلف فيها من بعدهم في أبواب الفقه أو التفسير أو غيرهما ، فإنما قفوا بذلك أثرهم ، وكان لهم متبوع من الصحابة رضي الله عنهم .

وهذا الاختلاف راجع إلى اختلاف في قدر العلم وسعته ، أو اختلاف في تكوين العقل ومدركه وحدته ، أو اختلاف في الطبع وما يغلب على المرء من الحال والمزاج ، أو اختلاف في الموقف والظرف المحيط بالمجتهد .. كما أن الله تعالى جعل شريعته وكتابه على مقتضى قواعد اللغة التي يكون فيها ما هو قطعي الدلالة وما ليس كذلك ، وما هو مفسر وما هو مجمل ، وما هو محكم وما هو متشابه ، وما هو ناسخ وما هو منسوخ ، ولو شاء لجعلها حرفاً واحداً لا يختلف عليه الناس ، غير أنه سبحانه أنزلها لناس خلقهم وهو أعلم بهم"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".

ولهذا جمع تعالى بين هذين المعنيين في قوله تعالى:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين".

فهو الخالق المالك المتصرف ، وهذا من معنى الربوبية .

وهو الإله المعبود الآمر الناهي ، وهذا من معنى الألوهية .

وبهذا يتبين أنه يستحيل قدراً وشرعاً أن يتفق أهل الإسلام في جميع ما يعرض لهم من المسائل ، حتى المسائل التعبدية العملية الخالية من التعقيد والتداخل ، وحتى المسائل التي هي من موارد النصوص ، فقد يقع للناظر في النص اعتقاد أنه ليس على ظاهره ، أو أنه منسوخ ، أو أنه ضعيف ولو كان الأمر بخلاف ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت