فهرس الكتاب

الصفحة 12127 من 27364

فلم يبق إلا أن يعتصم أهل الإسلام بالمنهج الشرعي في فقه الخلاف السائغ ، وأن يسعهم ما وسع الموفقين من أصحاب صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة من التوسعة في العذر ، وحفظ مقام الأخوة الدينية ، وإحسان الظن ، وترك البغي والتسلط ، وأن يعتصموا بعصم الإسلام الجامعة ولا يتفرقوا بموجب الاجتهادات الخاصة ، والآراء المتنازعة ، ولهذا قال سبحانه:"يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون".

فالأخوة الدينية لفظ جامع ينتظم كل من صح له عقد الإسلام كائناً ما كان خطؤه ، فمن كمل له الإسلام والإيمان كملت له حقوق الأخوة .

وهي لا ترتبط بالموافقة أو المخالفة في رأي أو مذهب أو اجتهاد إذا كان من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف .

ولهذا جاء في الآية بعدها قوله تعالى:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم".

وها هنا تجد النهي عن التفرق مطلقاً ، فالتفرق مذموم بإطلاق ، حتى جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني ما يدل على النهي عن التفرق الحسي فضلاً عن المعنوي ، حيث قال رضي الله عنه: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية فقال صلى ا لله عليه وسلم: ( إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان ) فلم ينزل بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم .

وهذا المعنى كثير التردد في الكتاب العزيز ، خصوصاً حين الحديث عن الأمم الكتابية وما عرض لها في دينها .

أما عن الاختلاف فلم يرد النهي مطلقاً ، بل مقيداً يتبين به أن ثمة خلافاً مذموماً ، وخلافاً محموداً .

ولهذا قال هاهنا:"واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات"فهذا الاختلاف في موضع الذم ؛ لأنه إعراض عن البينات والهدى ، واتباع للهوى .

وفي مواضع أخرى ربط الاختلاف بالبغي والعدوان .

فمن كان يحسب أن اجتماع الأمة يكون باتفاقها العلمي الشرعي على مفردات المسائل وآحادها وتطابق النظر فيها فقد رام محالاً ، وتمنى ما قضت الشريعة ومضى القدر النافذ بخلافه .

لكن المطلوب أن يكون ثمة اتفاق على الأصول والمحكمات في الشرع الذي جاءت جمهرة نصوص الكتاب والسنة بتقريرها ، وتوافر العلماء عليها خلفاً عن سلف وهو محل الإجماع الثابت المستقر .

ثم يكون الاتفاق على طريقة التعامل مع الخلاف بحيث لا يخرج عن إطاره ، ولا يؤثر على حقوق الإخاء الديني بين خاصة المسلمين وعامتهم ، ولا ينتج تفرقاً مذموماً وبغياً بين المؤمنين ، ولا يمنع من الرد والنصيحة والبيان وإظهار الحجة دون أن يكون ذلك ملزماً ، أو أن يظن به صاحبه أنه حسم لمادة الخلاف .

إننا كثيراً ما نتوجع على الوحدة الضائعة ، ونقصد بهذا أن يجتمع الناس على ما نظن وما نرى ، وهذا ما لم يتوفر للخاصة من أصحاب صلى الله عليه وسلم وأئمة السلف الصالح ، ولكن في ا لأزمات الحادة التي تضرب الأمة تمس الحاجة إلى نوع من التأليف ، وتجاوز الحظوظ الشخصية ، ومقابلة السيئة بالحسنة ، والاشتغال بالعمل الجاد المثمر .

وهذا رجل جاهلي من إياد ، وهو لقيط بن يعمر يشخص الحال ، ويصف الدواء وصف الذي فاته نور الهداية ، لكن لم يفته درك العقل والتجربة ، ومناسبتها ما نراه من اليوم من المكر الغربي الذي تجاوز حد التخمين ليصبح حقيقة واقعة:

بل أيها الراكب المزجي على عجل … …

نحو الجزيرة مرتادا ومنتجعا

أبلغ إياداً وخلل في سراتهم … …

إني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا

يا لهف نفسي إن كانت أموركم … …

شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعا

ألا تخافون قوماً لا أبالكم … …

أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا

فهم سراع إليكم بين ملتقط … …

شوكا وآخر يجنى الصاب والسلعا

لو أن جمعهم راموا بهدته … …

شم الشماريخ من ثهلان لانصدعا

في كل يوم يسنون الحراب لكم … …

لا يهجعون إذا ما غافل هجعا

خزر عيونهم كأن لحظهم … …

حريق نار ترى منه السنا قطعا

لا الحرث يشغلهم بل لا يرون لهم … …

من دون بيضكم ريا ولا شبعا

وأنتم تحرثون الأرض عن عرض … …

في كل معتمل تبغون مزدرعا

وتلبسون ثياب الأمن ضاحية … …

لا تفزعون وهذا الليث قد جمعا

وقد أظلكم من شطر ثغركم … …

هول له ظلم تغشاكم قطعا

مالي أراكم نياما في بُلهنية (1) … …

وقد ترون شهاب الحرب قدسطعا

فاشفوا غليلي برأي منكم حسن … …

يضح فؤادي له ريان قد نقعا

قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم … …

ثم افزعوا قد ينال الأمر من فزعا

يا قوم إن لكم من أرث أولكم … …

عزا أحاذر أن يودي فينقطعا

يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا … …

على نسائكم كسرى وما جمعا

هو الفناء الذي يجتث أصلكم … …

فشمروا واستعدوا للحروب معا

هذا كتابي إليكم والنذير معا … …

فمن رأى مثل ذا رأياً ومن سمعا

لقد بذلت لكم نصحي بلا دخلٍ … …

فاستيقظوا إن خير القول ما نفعا

والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت