قال الإمام البخاري رحمه الله: ( باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه ) ثم أورد حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: ( يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم ـ قال ابن الزبير: بكفر ـ لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون ) ثم بوب البخاري رحمه الله ( باب: من خص بالعلم قوماً دون قوم ، كراهية أن لا يفهموا ) ثم ساق قول علي رضي الله عنه: ( حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ) .
وذكر الحافظ أن المراد: بما يفهمونه ، ثم ذكر أثر ابن مسعود المروي في صحيح مسلم: ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة .
ثم ذكر عن أحمد ومالك وأبي يوسف ، ومن قبلهم عن الصاحب الحافظ أبي هريرة ما يعزز هذا المعنى .
ولعل من لطيف فقه هذا الباب أن المرء قد يفرح بما يوافقه في باب من أبواب العلم، ومثله الفعل والإرادة ، فيحجبه ذلك عما هو أوسع وأنفع ، ويحمله ذلك على بطر الحق وغمط الناس ، والموفق من وفقه الله .
يستدعي الحديث في هذا الموضوع ارتباطاً تأصيلياً يبني فقهاً قواعدياً للموقف ، وهنا تكون مفاهيم عُرفت في النظم والقواعد المقولة في أصول التشريع والحكم أساساً في رسم فقه معتدل لا يختص اعتباره بطبقة العلماء والدعاة ، بل هو منهج وسطي للتعامل يفترض أن يكون أحد أسس التربية المشاعة في أكبر قدر ممكن من الأوساط الاجتماعية . ربما يكون من العقبات في تطبيع مفهوم الفقه الوسطي للموقف أن الرسم الفقهي يرتبط بمفاهيم ذات رسم علمي كثيراً ما يكون غير تلقائي الإدراك ، مثل (الاجتهاد، الاستطاعة، الموازنة بين المصالح ، درء المفاسد) لكن مع هذا كله يفترض أن يكون هناك تقريب لهذه المفاهيم الأُسسية ، وهذا محل المحاولة في هذه الورقة التي امتدت إلى هذه الحلقة لتكون ختماً لها.
ثمة مفاهيم رئيسة في هذا التناول المنهجي ، ومن المرجح أنها من أكثر المفاهيم تأخراً عن الضبط وحسن الإدراك، أشير هنا إلى مفهوم كثير التداول التطبيقي:
العلاقة بين القضاء الشرعي والقضاء القدري في فقه الموقف: هذا مفهوم أساس ويبدو أنه يُتناول كثيراً بغير اعتدال، وربما يكون الإدراك لهذه العلاقة يمثل درجة من الغياب المنهجي .
ربما يمكن رسم عدم الإدراك لهذا المفهوم في تجاوز الوسطية في فهم العلاقة بين الشرع والقدر ، تحت اتجاهين لهذا التجاوز يتجه أحدهما في فك هذه العلاقة إلى درجة أشبه ما تكون بتجاوز الارتباط أي استقلال الحكم الشرعي عن الحكم القدري ، ويتجه الآخر إلى ترسيم تلازمي بين الشرع والقدر ، وكأن القدر يجب أن يتجه إلى حيث القضاء الشرعي بل إلى اجتهاد ليس بالضرورة يكون هو قضاء الشرع في هذا المقام. إن الاتجاهين معاً إنتاج لمشكلة واحدة شائعة في التداول التربوي هي: (الحركة تحت مفهوم مستقل) !! وهذه مشكلة معقدة من المهم أن ندرك أنها ضرورية المعالجة .
إن بناء الحكم الشرعي التكليفي - اعتباراً لقضاء قدري - أحد نماذج الخلل في الفقه. إن السنن الكونية القدرية يجب ألاّ تستقل ببناء الحكم الشرعي لكن من اللازم ألاّ ينفك الحكم الشرعي عن اعتبارها .
هنا شكل مهم من التوازن ، حينما يتحول الخطاب الشرعي الذي يُقدم كحكم للتعامل مع الآخرين أو مع المسلمين بعضهم مع بعض إلى مواعدات مستقرأة من سنن قدرية فهذا من أدق صور الجهل الذي يُصنَّف عند كثيرين كأنموذج من الفقة والاستنباط !!! وربما التاريخ - كما يقال - يعيد نفسه حين تكوّن - في مرحلة تاريخية سابقة - اتجاهان في الفكر والمفهوم للتعامل مع هذا المفهوم (العلاقة بين الشرع والقدر) لكن كان مجال الحركة إذ ذاك (التعامل الذاتي) أي: تقديم مفهوم عن هذه العلاقة بوصفها منهجاً للفرد وتطبيقاته الخاصة وليست كمفهوم للتعامل الشمولي ، لقد تكوّن إذ ذاك اتجاه فلسفي يبالغ في رسم العلاقة تحت مظلة العرفان والتصوف، وتكوَّن اتجاه آخر يفضِّل الانفكاك والفصل تحت مظلة النظر والعقل .
كان هذا من أدق صور الخلل في التاريخ الفكري والمعرفي ، واليوم يبدو أن الأمر أكثر أهمية حين يقدم هذا المفهوم لحكم الموقف الشمولي .
قد يبدو غير ممكن أن تستوعب هذه الورقةُ رسمَ التقريب الصحيح لهذا المفهوم ، لكن التعرف على مجموعة من نماذج التطبيق الخاطئة يُعرِّف ولو بمواقع الخطأ الشائعة تحت أنموذج أكثر تداولاً يمثل شكلاً من الخطأ في هذا المفهوم .