فهرس الكتاب

الصفحة 12182 من 27364

ودخلت العلاقات بين البلدين مرحلة أصعب عام 2002، عندما أطلق مسلحون النار على منصّرين أمريكيين في إقليم بابوا، وجاءت تصريحات من قبل جماعات حقوق الإنسان تشير إلى أن المسلحين هم من الجنود الإندونيسيين. إلا أن واشنطن كانت حريصة جداً على عدم قطع صلاتها مع جاكرتا، التي تعد أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، كما أنها تضم حكومة لم تتخذ موقفاً معادياً لأمريكا منذ سنوات طويلة، وكون الحكومة تحارب على أرضها جماعات إسلامية تطالب بالاستقلال الذاتي ، وبسبب روابط قوية بين استراليا وجاكرتا. وبالتالي فإن واشنطن تطمع في أن يشكل وجودها في المنطقة تأكيدا لنفوذها العسكري في الجزء الشرقي الجنوبي من آسيا (على مقربة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية) . بالإضافة إلى آمالها بتضييق الخناق على تحركات الجماعات الإسلامية ، وإقامة نقاط استخباراتية وعملاء في تلك المنطقة، التي أشارت تقارير عديدة إلى دورها المحوري في تحركات واستقطاب بعض الزعامات التابعة لتنظيم (القاعدة) الأهم على الأجندة الأمريكية.

ومع تطورات الملفات الأمنية بين البلدين بدأت كل من الولايات المتحدة وإندونيسيا برنامجاً للتبادل العسكري استمر مدة أسبوعين في أوائل شهر سبتمبر الماضي، مخصص لزيادة التعاون وتبادل الخبرة بين البلدين. في وقت كان البيت الأبيض يعمل فيه بجد لإقناع الكونجرس بأن يرفع الحظر العسكري على إندونيسيا، في خضم سياسة الإدارة الأمريكية الحالية لدعم التطبيع الكامل بين البلدين. وجاء التعاون العسكري الجديد بين البلدين بعد تعاون سابق، حدث في أواخر شهر يوليو الماضي، عندما قامت مجموعة من قوات البحرية الأمريكية ، بتدريبات عسكرية مع البحرية الإندونيسية في مدينة (سورابايا) . وهذه التدريبات كان من المفترض أن تكون سنوية، منذ عام 1995، عندما جرت التدريبات لأول مرة, إلا أنها ألغيت عدة سنوات، بعد سوء العلاقات بين البلدين.

السيناريو الثاني: وهو ضلوع عناصر الجماعة الإسلامية والإسلاميين المرتبطين بالقاعدة؛ حسبما تدور الشكوك الإندونيسية؛ إذ صرح رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الاندونيسي أن التفجيرات تحمل بصمات الجماعة الإسلامية المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة. وفي هذا الإطار كشف قائد شرطة جزيرة بالي مانغو باستيكا أن ستة أشخاص على الأقل متورطون في التفجيرات، مشيراً إلى أن هناك آخرين متورطين في الهجمات ومن بينهم المخططون ومعدو القنابل.. وتأتي تلك الاتهامات معتمدة على خبرة واسعة في تلفيق الاتهامات للإسلاميين في إندونيسيا حيث نسبت إليها جميع التفجيرات التي وقعت منذ ذلك التاريخ، بما فيها تفجيرات فندق ماريوت عام 2003 وانفجار السفارة الاسترالية عام 2004 وغيرها.

التفجيرات ثمن التطبيع الأمريكي

وإذا سلمنا بأن الجماعة الإسلامية وراء تفجيرات بالي الأخيرة، بالرغم من أنها لم تعلن عن مسؤوليتها عن الحادث حتى الآن. إلا أن تقليب أوراقها وأدبياتها عبر البيانات التي صدرت عنها سابقاً نجد ربطاً كبيراً بين أعمال العنف التي تتورط فيها وبين تطوير السلطات الإندونيسية لعلاقاتها مع واشنطن، حيث كانت قد أكدت الجماعة على مسؤوليتها عن تفجيرات نيننتا التي وقعت في مايو الماضي، مؤكدة أنها جاءت للرد على العلاقات الحكومية الغربية (وعلى رأسها الولايات المتحدة واستراليا) واعتقال زعماء للجماعة (كأبي بكر باعشير) والمجازر التي تقع بحق المسلمين في إندونيسيا . كما جاء في بيانات التنظيم حول بعض حوادث التفجيرات السابقة، أنها استهدفت السفارات الغربية والسياح الأجانب، للانتقام لجرائم قتل المسلمين في أفغانستان والعراق، في إشارة مباشرة للقوات الاسترالية العاملة في العراق مع قوات الاحتلال الأمريكي.

وعلى عكس التقارب الإندونيسي الأمريكي تقوم السياسات الحكومية على التشدد مع الداخل الإندونيسي خاصة في توسيع القوانين الاستثنائية وتطبيق قانون الأدلة السرية الذي تعتمده استراليا وواشنطن؛ مما يؤذي مشاعر كثير من المسلمين في البلاد؛ إذ أقامت لذلك حلفاً أمنياً مع دول الجوار، وأنشأت حلقة وصل استخباراتية مع الولايات المتحدة وأستراليا وتايلاند وغيرها. وباتت الأحكام القضائية الموجهة ضد المدانين المتهمين بالضلوع في التفجيرات حادة، وصلت إلى عقوبة الإعدام. وهو ما لاقى ترحيباً أمريكياً (رغم إدانات واشنطن السابقة لأي حكم بالإعدام في دول أخرى) واستراليا (التي عارضت بشدة أحكام السجن المخففة بحق المشتركين بتفجيرات بالي السابقة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت