فهرس الكتاب

الصفحة 12283 من 27364

يتناقض الموقف الموريتاني والصهيوني في حديثهما عن أهداف وغايات الزيارة المرتقبة، فهي بالنسبة لموريتانيا- كما عبر عن ذلك وزير خارجيتها- تأتي في سياق جهود موريتانيا لـ"دعم عملية السلام في الشرق الأوسط"وفي إطار"الجهود العربية المشتركة للسعي للسلام مع إسرائيل على قاعدة إستراتيجية وضعتها الدول العربية".

أما بالنسبة لإسرائيل فرغم أن أي حديث رسمي عن الزيارة لم يتم لحد الآن، إلا أن الصحف العبرية قد اعتبرت أن هدف الزيارة يتمثل في تقديم مساعدات إسرائيلية لهذه الدولة المنكوبة بكارثة الجراد"."

غير أن الحقيقة المرة هي أن الهدف الحقيقي لا هذا ولا ذاك، فطموح النظام الموريتاني لا يصل إلي ذلك المستوي، بل لا يهتم به أصلا, فاهتماماته بتثبيت وترتيب الأوضاع الداخلية, بعد الهزات العنيفة التي أحدثتها المحاولات الانقلابية المتتالية, هي أساس تحركاته ومبادراته الخارجية. ومن هذه النافذة دخل موضوع التطبيع برمته، بعد أن ضاقت الأرض في الداخل بما رحبت، وزاد الاحتقان السياسي عن حدود المعقول، وظهر أن النصير الخارجي الأهم (فرنسا) بدأ يدير ظهره ، ويولي وجهه لاتجاه آخر، وأن لا ملجأ من منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات الصرف الدولية إلا إلى واشنطن، وهل من طريق معبد لواشنطن أفضل من الطريق الذي يمر عبر تلابيب؟

ومنذ إقامة العلاقات بين نواكشوط وتل آبيب بدأت التنازلات تترى بلا حدود،... ففي الوقت الذي تنتعش فيه المقاطعة الرسمية العربية لتلابيب، ويشتد الخناق عليها سياسيا تستدعى نواكشوط لكسر طوق المقاطعة، أو لتسويق مرحلة جديدة من مراحل الاختراق الصهيوني للجسد العربي.

وتحتفظ الذاكرة العربية بمواقف مشهودة في هذا السياق، فعندما جاء (نتنياهو) إلى السلطة في أكتوبر 98، ومصر والأردن وغيرهما من الدول العربية المطبعة في حالة تردد وانتظار، تم استدعاء وزير خارجية النظام الموريتاني حينها الشيخ العافية بن محمد خونة إلى تلابيب، من أجل قطع حالة التردد تلك، وإلغاء احتمال أي تلكإ عربي في التطبيع،

وفي مايو2001 وبعد قرار لجنة المتابعة العربية القاضي بمنع دول الجامعة من إجراء أي اتصالات مع الصهاينة احتجاجا على المجازر الشارونية البشعة, التي عاشتها الأراضي الفلسطينية في جنين والضفة والقطاع مايو 2001, وبعد استدعاء كل من مصر والأردن لسفيريهما في تلابيب؛ طار إلى"إسرائيل"وزير الخارجية الموريتاني آنذاك ولد عبدي ليلتقي شارون وبيريز !

وقد أثارت هذه الزيارة ردود أفعال محلية وعربية غاضبة ، حيث اعتبر الأمين العام للجامعة عمرو موسى الخطوة الموريتانية خروجا على وحدة الصف العربي في هذا الظرف الذي وصفه بالعصيب كما لاقت هذه الزيارة شجب واستنكار كل القوى الوطنية واعتبرتها تشجيعا لشار ون على ما يقترفه من مذابح بحق إخواننا الفلسطينيين العزل .

ومن هنا ندرك أن الزيارات المتبادلة بين موريتانيا والكيان الصهيوني هدفها الأساسي إعلامي يتعلق بتسويق التطبيع بين الدول العربية، وكسر الحواجز النفسية بيننا مع الصهاينة، وإعطاء انطباع بأن الصف العربي غير موحد، وأن عهود المقاطعة العربية قد عفا عليها الزمن، كما تأتي في ظل سعي الكيان الصهيوني لوضع خارطة استسلام جديدة لجر المنطقة بأكملها إلي رذيلة التطبيع مع الغاصبين لأولى القبلتين مستبيحي دماء الأطفال والشيوخ، كما تأتى الزيارة في ظل الحديث عن مبادرة للتطبيع الجماعي لدول المغرب العربي مع الكيان الصهيوني ، قبيل زيارة الإرهابي شارون لتونس المقبلة.

وتعيد زيارة وزير خارجية الصهاينة- للمرة الثانية وفي هذا الظرف - إلى الأذهان, مسيرة التطبيع الموريتانية الصهيونية التي برزت في أغلب حالاتها في ظرف دولي متسم بالسخونة والحرج لدولة الكيان الصهيوني.

محطات في تاريخ العلاقة الصهيونية الموريتانية

بدأ قطار التطبيع الصهيوني الموريتاني في 27 نوفمبر 1995 بتوقيع اتفاق يقضي بفتح مكتبين لرعاية مصالح البلدين بالعاصمة الإسبانية .

-وفي نهاية أكتوبر 1998 قام وزير الخارجية الموريتاني آنذاك الشيخ العافية بن محمد خونا بزيارة الكيان الصهيوني ، واتهمت المعارضة الوطنية حينها الحكومة بالتوقيع على اتفاق يقضي بأن تستضيف الصحراء الموريتانية نفايات نووية من مفاعلات ديمونة مقابل تمويل الكيان لمشاريع زراعية في موريتانيا.وقد تم اعتقال الأستاذين أحمد ولد داداه, رئيس حزب اتحاد القوى الديمقراطية آنذاك, ومحمد ولد باباه, في نفس الفترة على خلفية مطالبتهما للحكومة بفتح تحقيق مستقل بشأن النفايات المزعومة .

-وفي 11 يونيو 1999 وصل انواكشوط وفد طبي صهيوني لإجراء عمليات جراحية لمرضى العيون ولم يلق هذا الوفد الكثير من الترحاب الشعبي بعدما تلقى رئيسه"روزمبلات"صفعة من يد أحد فنيي المستشفى الوطني (الزايد بن خطاط رحمه الله تعالي) بعيد علمه بأنه"إسرائيلي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت