فهرس الكتاب
نحن نشهد في الكنيسة باعتبارها المؤسسة الدينية التي تعايشت مع العلمانية بعد الثورة الفرنسية حالة مد سياسي عارم، بل وفي البلاد الإسلامية أيضا بفعل التدخل والهيمنة والوصاية الغربية، فإن الكنائس تتدخل في السياسة وتلعب دوراً فيها. ومع ذلك فإنه لا يمكن ممارسة الإهانة ضدها بالرقابة أو الوصاية عليها من قبل الأنظمة العربية الجبرية أوالأنظمة الإسلامية الدكتاتورية خوفاً من التدخل الأمريكي. وهنا أشير إلى رفيق حبيب، وإلى دراسته القيمة حول الأصولية وهو ابن مؤسس الكنيسة البروتستانتية في مصر، والمتخصص في علم الاجتماع الديني والسياسي، هذه الدراسة المفصلة التي كشف فيها عن أن الكنيسة في مصر تتدخل في السياسة، وفي العالم كله تفعل ذلك، دون أن تسمح للسياسة بالتدخل فيها. فإذا أضفنا إلى هذا ديانات أخرى كاليهودية، أقامت دولة سياسية كإسرائيل، أو الهندوسية التي تلعب دوراً في قيام الأمة الهندية، أو الكونفوشيوسية التي حتى النظام الشيوعي الملحد في الصين يستلهمها ويختارها هوية لوطنه، فإننا سنتحدث عن آفاق سياسية لديانات لم تعرف العلمانية. فإذا جئنا إلى الإسلام طُلِب منه وحده اليوم أن يقبل هذا الفصل على الطريقة"الأتاتوركية"أو"البورقيبية ـ العابدية"السيئة والعنيفة. يُراد فقط من الإسلام الذي هو أبعد الديانات عن أن يفصل الدين عن السياسة لأسباب ذاتية وبنيوية وتاريخية وعقدية وتشريعية؛ ويُطلب منه اليوم أن يقوم بعملية جراحية قيصرية عنيفة تستأصل جزءاً من شبكته العصبية ومن قدرته"الحسية الحركية"على الوجود كجسم، مقابل أن يطبق لهؤلاء الضاغطين الدوليين، ولهؤلاء الدكتاتوريين المحليين، ما يريدونه من إماتة للدين على يد السياسة، وليس فصل للدين عن السياسة. وأخيراً إن هؤلاء الحكام يمارسون استغلال الدين في السياسة بطريقة دنيئة وواسعة وبدون أخلاق أو ضوابط، ويطالبون الحركات الإسلامية والأحزاب الإسلامية بالامتناع عن ذلك.
ما هي الأسباب المباشرة وراء غياب دور فعّال لعلماء المغرب في قضايا الوطن الكبرى؟ هل هم غائبون أم مغيّبون؟
هم غائبون ومغيبون. لقد لعب العلماء دوراً مفصلياً في تاريخ الأمة الإسلامية منذ الدولة الإدريسية بالمغرب، وكانوا في دولة المرابطين، في عهد يوسف بن تاشفين هم الحكام الفعليين، وكان لهم دورهم. يكفي أن العلماء هم من أسقط الدولة المرينية زمن عبد الحق المريني الذي حكّم يهوداً مفسدين في رقاب المغاربة، وكانت الثورة ضده انطلاقاً من مسجد القرويين، مروراً بعلماء من أمثال أبي علي اليوسي، ومحمد بن جعفر الكتاني، وانتهاء بدور العلماء المؤسسين للحركة السلفية الوطنية كأبي شعيب الدكالي، وتلامذته: محمد بن العربي العلوي، الطيب العلوي، علال الفاسي، المختار السوسي، ودورهم في فترة الاستعمار وما بعد الاستعمار، كانوا ضمن الموقعين على وثيقة الاستقلال، وضمن المحاربين للظهير البربري، وانتفضوا ضد الاستعمار، وكانوا قد أفتوا للحركة الوطنية باستعمال السلاح ضد الخونة وضد المستعمرين. لكن مع فجر الاستقلال تم تهميش العلماء تهميشاً مهيناً من قِبَل السلطة والنظام، وأيضاً من قبل النخب السياسية التي توجّهت توجّهاً علمانياً ويسارياً، واستهزأت بالعلماء وروّجت ضدهم الأقاويل، وقامت الدولة المغربية بتحويلهم إلى ديكور يصادق على سياسات الدولة، ويبصم بالشرعية الدينية على قراراتها التي لم يكن لها أبداً صلة بالدين منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم، بل بالعكس ذهبت في اتجاه تكريس خيارات الاستعمار، وأقامت نظاماً مبنياً على استمرار كل الانحرافات الكبرى التي جاء بها الاستعمار من مثل الربا والقمار والخمر، وتعطيل الشريعة، وتقليص دور الإسلام وحصره في الأحوال الشخصية، وحتى قوانين الأحوال الشخصية تم تعديلها بشكل قاسٍ. ولكن من جهة أخرى أيضاً العلماء غائبون لأن أغلبهم يعيشون حالة من الانهزام الفكري والنفسي والعجز عن التجديد، وغياب الجرأة السياسية، وعدم القدرة على امتلاك المبادرة، وأيضاً عجزهم عن أن يطالبوا ويؤدوا ثمن المطالبة بدورهم وموقعهم الطبيعي، ولهذا نحن أمام علماء أغلبهم عاجزون، وهنا نتذكر كتاب الشهيد عبد القادر عودة:"الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه".
هل من سبيل لعودة دور العلماء الريادي؟