إن إسرائيل تريد أن تكون حدودها مفتوحة للمسلمين، وحدود البلاد الإسلامية والعربية مفتوحة لها، وهذا يفسِّر حرص إسرائيل على عقد المؤتمر أو بعض جلساته -كما يقولون هم- في الشرق الأوسط؛ ذلك لأن من أهم مقاصدهم أن يأتي العرب إلى إسرائيل، أو حتى أن يذهب اليهود إلى أي بلد عربي آخر كالأردن مثلاً، أو لبنان أو سوريا، أو أي بلد عربي آخر حتى تعقد المفاوضات هناك.
فاليهود يرون أن من أهم مكاسبهم اعتراف العرب بإسرائيل، وأن تكون العلاقات بينهم طبعية، بعيدًا عن تجنب إسرائيل أو مقاطعتها؛ لذلك فهم يعدون عقد المفاوضات في إحدى البلاد العربية تمهيدًا لكسر هذه الحواجز الحدودية.
وقد دعا بيريز في مقال له عن آفاق التعاون الإقليمي، إلى التعاون بين دول المنطقة العربية وغير العربية، وقال:"إن هذا التعاون يمكن أن يقوم على المعرفة والمهارة والتقنية اليهودية، وعلى النفط والسوق العربيين، وعلى المياه التركية، فهذا هو التكامل". وأحيانًا يصرِّحون بأخذ العمالة البشرية ورؤوس الأموال من البلاد العربية، والخبرة والعقول من اليهود.
هذه نظرة عنصرية فوقية، تستهدف الاستحواذ على الثروة النفطية وعلى الطاقات الإسلامية، وكأن المسلمين ليسوا مؤهلين الآن ولا مستقبلاً للإفادة من هذه الطاقة، فيحتاجون إلى أن يتولى اليهود بمعرفتهم ومهارتهم -فيما يزعمون- الانتفاع بها.
ومن أهم نتائج ذلك -كما هو ظاهر- غزو الأسواق بالمنتجات اليهودية التي كانت تقاطع بالأمس، وفتح الطريق أمام علاقات دبلوماسية مع اليهود، وإقامة سفارات أو قنصليات -كما هو مطروح-، وهو ما يسمى بالتطبيع، وللحديث عنه مواضع أخرى إن شاء الله تعالى؛ لأنه من أهم القضايا التي تبنى على عملية السلام.
كذلك فتح الباب أمام السياح اليهود كي يأتوا إلى البلاد العربية؛ بل ومن حقهم أن يزوروا حتى الأماكن الدينية والأثرية والتاريخية على حد سواء مع العرب والمسلمين، وهذه من بنود الصلح الذي عقد في مؤتمر كامب ديفيد كما سيأتي.
أما التعامل الثقافي فجانب مهم من جوانب التطبيع، وخلاصته إنهاء حالة العداء مع اليهود، ولعل مما يظهر ذلك العناق الحار الذي رؤي وشوهد في أكثر من مكان بين الوفد الإسرائيلي ومجموعات من الوفود العربية، والابتسامات العريضة التي كست وجوه بعض العرب، والتي كانت بعرض المصيبة التي أصابت الأمة الإسلامية، لا من اليهود -فليس غريبًا أن يحارب اليهود أمة الإسلام و يكيدوا لها-، لكن من هؤلاء الذين ذهبوا إلى مدريد، وصافحوا وعانقوا الوفد الإسرائيلي، واتفقوا معه على بيع أرض المسلمين (بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف:20] .
خامسًا: حرب المياه:
إن إسرائيل تخطِّط للمستقبل القريب والبعيد، ومن المعروف أنها الآن تستهلك من المياه خمسة أضعاف ما يستهلكه العرب كلهم، وإنما غزت إسرائيل لبنان للسيطرة على منابع بعض الأنهار؛ كنهر الليطاني، والحصباني، والوزاني، وغيرها، حتى إن بعضهم يقول: إن إسرائيل من الممكن أن ترفع شعار:"الماء مقابل السلام"؛ لأنه شريان حيوي هام، فلا حياة إلا بالماء، كما قال الله - عز وجل: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء:30] ، فالماء أمر ضروري ضرورة الهواء لوجود الإنسان، والإسرائيليون تمكنوا من سرقة مليون وثلاث مئة ألف متر مكعب من مياه الأنهار العربية، بالإضافة إلى مئتي مليون متر مكعب من المياه الجوفية، بطريقتهم الخاصة.
ومما يتوقعه بعض الباحثين -والعلم عند الله تعالى- أنه في القرن القادم سوف يتعرض ألف ومئتي مليون إنسان للعطش؛ بسبب نقص المياه، وغالبية هؤلاء الناس هم في الشرق الأوسط، يعني في البلاد العربية وفي إسرائيل أيضًا.
ولعله من المعروف أنه عُقد في تركيا مؤتمر بعنوان: مؤتمر مياه السلام، وهو يهدف إلى استثمار مياه الأنهار الرئيسة في الشرق الأوسط، وكثير من هذه الأنهار ينبع من بلاد يقع غالبها تحت قبضة الدول الغربية ومن يدور في فلكها، كتركيا مثلاً التي تنبع منها عدة أنهار هي التي تسقي البلاد العربية.
ومما جاء في هذا المؤتمر: أنه من الممكن أن تستثمر تركيا مياه الفرات، وتتحكم فيها، وتبيعها إلى إسرائيل بكميات هائلة مقابل شيء آخر، وقد عرضت تركيا بيع هذه المياه على العرب مقابل النفط، حيث المياه أهم من النفط؛ لأن النفط يمكن الاستغناء عنه، لكن الماء لا يمكن الاستغناء عنه.
وفرصة بيع المياه التركية إلى إسرائيل لو حصلت فستكون مناسبة لدمج إسرائيل بالمنطقة العربية من الناحية الاقتصادية عن طريق التعاون البري، كما تم التعاون من قبل في موضوع يعد - في نظرهم - بريئًا وهو ما يسمى بحماية البيئة.
فإذا عرفنا أن العرب يعانون نقصًا في المياه بمقدار أربعة وأربعين بالمئة، وأن منابع المياه يتحكم فيها دول أخرى، وأن إسرائيل تتحكم في جزء كبير من الموارد المائية العربية، وتخطِّط للهيمنة على مواقع المياه في البلاد العربية؛ بل والأفريقية في منابع نهر النيل؛ ظهر مدى الخطر الذي يتهدد العرب في أحد أهم مقومات حياتهم.