فهرس الكتاب

الصفحة 12396 من 27364

ونحن لا نقول للناس جاهدوا الآن وهم لا يملكون القدرة على الجهاد، لكن نقول: لا يجوز لمسلم أن يعترف بأن الجهاد باطل أو منسوخ.

-الشرط الثالث: أن يخلو عقد الهدنة من شرط فاسد، وذلك كشرط معاونة الكفار مثلاً على المسلمين، وهذا لعله أن يكون موجودًا في عدد من المهادنات والمصالحات التي تعقد اليوم وأمس وغدًا.

ويحتج البعض بصلح الحديبية، والحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية جاء إلى مكة أصلاً، وعقد صلحًا مع المشركين لمدة معينة لا تتجاوز عشر سنوات.

ويحتج بعضهم بموقفه صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة عندما عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، والحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد معاهدة معهم كان هو الحاكم فيها، وكان اليهود مطالَبين بموجبها أن يرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي شجار يحدث بينهم، ومطالبين بموجبها بالدفاع عن المدينة ضد أي هجوم، فلما خانوا العهد أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنها (15) ولا أحد ينكر أصل العقود مع غير المسلمين على ما فيه مصالح البلاد والعباد، إذا أبرمها المعنيون بمستقبل الأمة الحريصون على حمايتها، الصادقون في تمثيلها.

الفصل الخامس

بشائر المستقبل

يتسائل البعض عن سمة التفاؤل: هل هي لغرض تربوي كرفع معنويات الناس، أو هي قناعة؟ وإذا كانت قناعة فما مصدرها؟

والحق أنها قناعة راسخة مصدرها أمور:

-أولاً: النظر في التاريخ وتقلباته:

فالتاريخ يعيد نفسه -كما يقال-، والله تعالى يقول: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران:140] .

-ثانياً: النظر في الواقع:

فإننا نجد انهيار المعسكر الشيوعي ماثلاً أمامنا على رغم قوته الضاربة إلى أكثر من سبعين سنة، وبذلك يمكن انهيار قوى أخرى معادية لإسرائيل.

ومن طبيعة الإنسان أحيانًا أنه يرى الواقع الذي يعيشه سرمدًا لا يزول، فقد نسينا الآن سقوط الشيوعية، وبدأنا نتصور أن الواقع باق لن يزول، وهذا خطأ كبير.

-ثالثاً: النظر في السنن الكونية والنواميس الإلهية:

فالله تعالى يقول -كما سلف-: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران:140] ، ويقول جل وعز: (وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ) [البقرة:251] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سُبقت ناقته العضباء:"حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه" (16) .

إذا تم شيء بدا نقصه

ترقب زوالاً إذا قيل تم (17)

-رابعاً: النصوص الشرعية التي تؤكد انتصار الإسلام:

وهي كثيرة ذكرتها في رسالة"مستقبل الإسلام"، ورسالة"الجولة مع اليهود"، منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله" (18) ، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا داعي أن نضرب ونرجم بالغيب بعد كلام الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، فوالله الذي لا إله غيره ما كَذَبْنا ولا كُذِبْنا، فهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبر الله تعالى عنه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:3،4] .

وجاء في رواية أخرى:"على نهر الأردن، أنتم شرقيُّه، وهم غربيُّه" (19) ، وهذه راوية إسنادها فيه ضعف يسير، لكن حسنه جماعة من أهل العلم، والواقع يصدقه، ويشهد على ثبوته.

فحين دُوِّنت الكتب من قبل وأُلِّفت، لم يكن لليهود وجود يذكر في فلسطين، ولم يكونوا قريبين من نهر الأردن، لكنهم وجدوا بعد ذلك خاصة في هذا الزمن.

وأنا أرجو الله تعالى ألا يتجاوزوا نطاقهم الحالي، وأظن أنهم لن يذهبوا عنه بعيدًا، لكن هذا بلا شك ليس قطعًا، وإنما هو ظن غالب، فقد يتوسع اليهود ثم ينكمشون بعد ذلك، وقد يكون الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم معركة تأتي اليوم، أو غدًا، أو بعد عشر سنين، أو بعد خمسين سنة، فالله تعالى أعلم. المهم أن ننتبه إلى عدة أمور بشأن هذه المعركة:

أولاً: هذه المعركة حق، وكل مسلم يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن يؤمن بها، وأن يعلم أنها قادمة لا محالة، على رغم كل العقبات والظلمات والحواجز؛ فهذا غيب أخبر عنه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

ثانيًا: هذا لا يعني أبدًا القعود وترك الأمر؛ بحجة أن المعركة قادمة، والنصر قادم، لا.. فالنصر ليس هبة للقاعدين والكسالى؛ بل النصر هبة من الله - عز وجل - للمجاهدين والمضحِّين والصابرين والمرابطين، قال - عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت