فهرس الكتاب

الصفحة 12434 من 27364

مثل هذه التقديرات تدفعنا للقول أن الصلح الحالي عقد جديد ليس هو عقد الذمة الذي يكون فيه خضوع الكافر للسلطة الإسلامية وليس هو المهادنة لاستحالة قبول المجتمع الدولي الضامن للصلح بأن ننقضه لسبب من الأسباب التي ذكرها الفقهاء، فلو قتل العدو فلسطينياً واحد تنتقض الهدنة، ولكن في الوضع الحالي فإن قتل ألوف لن يمكننا من نقض الصلح، إذ أن تعقيد القانون الدولي المعاصر وهيمنة النظام العالمي الجديد تجعلان عقدنا مع اليهود من نوع لم يعرفه الفقهاء الأولون أبدا، وهو بحاجة إلى اجتهاد جديد تكون أطرافه ثلاثة مجاميع إذا أردنا الشهادة له بأنه مقبول شرعاً: الطرف الأول فقهاء كثيرون من أهل التقوى تترجح عند أكثريتهم صحة العقد، أما الطرف الثاني فهو حكام يحكمون بالإسلام ، والطرف الثالث جمهور يرفل بالحرية يمكنه أن ينقض ويشارك بالرأي، هذه الاطراف الثلاثة في الاجتهاد الحالي غير متوفرة وبذلك لا يكون اجتهاداً اسلاميا بل محض فذلكة سياسية غير موفقة ولا مخلصة .

أحد عشر: أن الصلح الحالي ناقض لتراكم ايجابيات التطور الدعوي الاسلامي ، بعد ما أينعت ثمار الصحوة الاسلامية العالمية .

فالمحلل لتاريخ الدعوة الاسلامية الحديثة يرى نجاحها في ممارسة تطوير نفسها على مدى قرن كامل ، حتى قاربت اليوم مرحلة التمكين بإذنه تعالى فقد بدأ فيها المعنى التنظيمي بعد تسيب ومنهجية التربية بعد ارتجال وشمول الاهتمام بعد اقتصار ثم انتقلت إلى مرحلة وضع هدف سياسي سعت إليه وقدمت حكماً إسلامياً متكاملاً، وطرقت أبواب الإعلام وحولت أعمالها إلى أعمال مؤسسة، وتوغلت في إرساء قواعد اقتصاد إسلامي واستعادت بعض المال ووضعته في الأيادي المتوضئة وبدأت تمارس الجهاد وجمعت الشتات عبر تنظيم عالمي ودخلت مرحلة التخصص، وأصبح واضحاً بحمد الله أن المستقبل لهذا الدين وأن الحسم قريب في بلاد كثيرة مما يؤهلها لمرحلة تعبوية شاملة تستفيد منها أرض فلسطين المقدسة.

وما كان قصد الصلح هذا والاستعجال به إلا لاستباق الأحداث، وهو ما أقر به رابين حين رد على منتقدي سياسته بالصلح مع عرفات قائلاً «نحن نفاوض عرفات مختارين قبل أن نجلس لنفاوض حماس مضطرين» .

ثاني عشر: إقرار الصلح يعني وقوف العالم كله ضد حملة الجهاد المستقبلية من خلال نصوص صريحة في القانون الدولي.

فالصلح المقترح صلح فيه اعتراف بالدولة اليهودية وتحديد لحدود وتسجل الاتفاقية ومخططاتها في سجلات الأمم المتحدة، وبذلك تكون إسرائيل في حماية كل دولة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة وبموجب قانون الهيئة فإن أي دولة في العالم يسوغ لها قانوناً عند إقرار الصلح أن تتدخل لصالح اسرائيل اذا تعرضت لحرب وغزو.

فإذا تم استكمال الصلح مع اليهود وأراد المسلمون أن يستعيدوا فلسطين فستقف مائة دولة في صف اليهود لأن ذلك يعتبر خرقاً لاتفاق مسجل في هيئة الامم وعدوان على دولة ذات حدود اعترف بها جيرانها، ولئن كان وقوف الغرب مع دولة اليهود في السابق من وراء ستار في صورة ارسال معونات مالية وسلاح فإنه في المستقبل سيكون وقوفاً مباشراً لأن ميثاق الامم المتحدة يخولها صراحة ارسال جيوش تحارب في صف اليهود.

ثاني عشر: الاعتراف باسرائيل يحول الثورة الفلسطينية إلى انطباق القانون الجنائي اليهودي عليها بدلاً من القانون الدولي وهذا مكمن خطر آخر.

يقول الدكتور الزحيلي «الحرب لا تكون إلا بين الدول أما النضال المسلح الذي قديقع بين بعض الجماعات داخل دولة من الدول أو الذي تقوم به جماعة من الأفراد ضد دولة أجنبية فلا يعتبر حرباً ، ولا شأن للقانون الدولي العام به ، بل هو يخضع لأحكام القانون الجنائي للدولة التي تحدث فيها ، كذلك لا يعتبر حرباً بالمعنى الدولي النضال المسلح الذي يقوم به إقليم ثائر في وجه حكومة الدولة التي يتبعها» ، مشيراً إلى أن «الثورة كفاح داخلي بين السلطة الحاكمة والرعية تخضع بصفة مباشرة للقانون الداخلي للدولة وخاصة القانون الجنائي» .

وهكذا يتضح خطر جديد كامن في خطة الصلح إذ أن القوات اليهودية ما زالت تعامل كقوات احتلال حتى اليوم في القانون الدولي وفقاً للقانون الدولي والاعتراف ينهي ذلك ويجعل الفلسطينيين مجرد رعايا في دولة اسرائيل تعاقبهم عند ثورتهم وفقا لقانونها الجنائي .

أن اجتماع هذه الاسباب العديدة يشجعنا على أن نجزم بعدم جواز الصلح مع يهود شرعا لا اتفاق كامب ديفيد ولا اتفاق اريحا، ولا أي صلح عربي جماعي .

هذا هو الحكم الصحيح إن شاء الله واذا اختلف دعاة الإسلام في هذا الأمر فالأحوط أن يكون رأي المجاهدين هو النافذ، ولهذا يقدم رأي رجال حركة"حماس"على الأقوال الأخرى ، وتلك هي وصية الامام أحمد والإمام ابن المبارك لقوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) قال ابن تيمية «فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى» ، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد ابن حنبل «اذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله يقول (والذين جاهدوا فينا لنهدينم سبلنا ) » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت