فهرس الكتاب

الصفحة 12433 من 27364

فإن الأمر مشروط بتحقق المصالح للمسلمين ، هكذا قال الفقهاء فليس كل ما جاز شرعاً جاز فعله، بل لا بد من مراعاة ورؤية الأثر المصلحي إلى جانب الجواز الشرعي فإذا تخلف أحد الشرطين وجب الامتناع عن اجراء الصلح، خاصة وأن كل الشواهد والدراسات تشير إلى الأضرار لاقتصادية والنفسية والاجتماعية التي يسببها الصلح مع اليهود.

خامسا: المحاولات الجارية تؤسس لصلح دائم، والفقه يوجب التوقيت، مما يجعل من الصلح الحالي مرفوض شرعاً.

فالفقهاء اشترطوا تحديد زمن للصلح مع العدو، بل منهم من قال لا يجوز الصلح لأكثر من عشر سنوات، لأن ما ورد في السيرة من هدنة الحديبية ما كانت إلا كذلك، وهذا الشرط لا يمكن أن يتحقق في حالة الصلح مع اليهود التي يجري التأسيس لها ومحاولات فرضها، لأن الصلح هنا دائم غير قابل للنقض، ويلزم أجيالاً عديدة من أجيال المسلمين المقبلة ، وهنا مكمن الخطر، فهو تنازل واعتراف وتسويغ للباطل واضفاء صفة القانون الدولي عليه وليس هدنة كان الفقهاء يقصدونها حين يتحدثون عن الصلح، وحالة الصلح الدائم غير المحدد والتي أجازها فقهاء آخرون لم تكن تؤدي إلى مثل هذه النتيجة وإلى تطبيع وتعايش تترجح فيه مصالح العدو وانما كانت تعنى هدنة دائمة.

فالهدنة شي والصلح الحالي شي آخر ، ونقول مرة ثانية إن مكمن الخطر يكون في تسجيل معاهدات الصلح لدى الأمم المتحدة فتكون بذلك عقداً دائماً ملزماً للأجيال مهما تغيرت المصالح، وهذا لا يشبه ما تكلم عنه بعض الفقهاء من جواز الصلح .

سادسا: الصلح المقصود اليوم صلح مع غير ذي شوكة، فلا يجوز.

قال الفقهاء إن «الصلح يجوز إذا كان العدو ذو شوكة ويستأصل المسلمين، (عندها) لأمة الإسلام أو لذاك الإقليم الإسلامي أن تصالح» بمعنى أن يسعى المسلمون إلى هدنة لأن المسلمين ما لهم طاقة بعدوهم ويخشون أن يستأصلهم.

وفي حالة الصراع مع اليهود حول فلسطين فإن الأمر ليس كذلك ، فاليهود ليسوا أهل شوكة ماحقة لا تستطيع الأمة أن تقف في وجوههم، بل يمكن بدون هذا الصلح أن نبقى، وتكون مناوشات وسجال بحيث قد لا نحارب الحرب الهجومية التي تدخلنا في مرحلة حسم ولكننا نستطيع الاحتفاظ بوضعنا هكذا إلى أن يأذن الله بتجمع المسلمين في جيش قوي.

الشوكة التي يتحدث عنها الفقهاء غير قائمة اليوم فيما نعلم عن اليهود، وبذلك ينتقض السبب في ضرورة مصالحتهم، يقول السرخسي «فإن كانوا عاجزين عن كسر شوكتهم كان عليهم أن يحفظوا قوة أنفسهم بالموادعة» .

سابعاً: فقدان الحاكم المهادن اليوم لأهلية التصرف التي عناها الفقهاء، وقد أجاز الشرع الجهاد مع ولاة الجور من أجل أن لايتعطل الجهاد ولم يجوز الشرع قبول ما هو ضد ذلك منهم من ترك الجهاد والخنوع وتمكين العدو ، فعلة الحكم الشرعي في هذه الحالة قد انتفت وصار العكس.

ثامنا: مناقضة الصلح الحالي لغاية عقود الذمة الإسلامية وهي صلح دائم يكون عندما يلقي قطر من أقطار الكفار السلاح ويرضى بدفع الجزية ويكون من أهل الذمة.

أما الصلح الحالي فهو يقلب الأمور ويعكسها حيث يصير المسلمون في ذمة اليهود وتكون للعدو اليد العليا علينا وبذلك تفعل الظواهر الحضارية والحقائق النفسية الانسانية فعلها، مما أبان عنه علماء الاجتماع من ابن خلدون في مقدمته وحتى اليوم، عندما درسوا علاقة الغالب والمغلوب والظواهر الحياتية التي تتبعها، إن بروز هذه الحقيقة ورجحان تأثر أجيال المسلمين بالتربية اليهودية بعد حصول الاسترخاء الذي تولده الحالة السلمية وتعين عليه وسائل الاعلام المتطورة ودراساتهم المتقدمة في مجال علم النفس .

بروز هذه الحقيقة يجعل الصلح مع العدو انتحاراً وهذا الدليل عندي هو أقوى الأدلة في الحكم على الصلح بالخطأ.

تاسعا: حصول الضرر الاقتصادي لنا من خلال الصلح ، وتلك حقيقة تعاكس التدليس الواعد بحالة اقتصادية مزدهرة للمسلمين بعد الصلح .

إن رعاية المصالح الاقتصادية الإسلامية هي من تمام الإسلام واعتبارها والاستدلال بها من تمام النظر الفقهي العميق، وفي السوق الشرق أوسطية التي قررتها خطة التطبيع قابلية لأن تخدم يهود وتحول لهم الأموال وتمتص ثروات بقية البلاد العربية والخليجية بخاصة ، بل وثروات العالم الاسلامي وثروات دول العالم الثالث أيضا ..

عاشراً: الصلح الحالي نوع جديد من العقود لم يعرفه الشرع من قبل.

يقول الزحيلي «ذلك أن المالكية والشافعية ، والحنابلة اتفقوا أن العدو إذا نقض الهدنة بقتال أو بمظاهرة عدو أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقضت الهدنة» ، كما تنتقض بأشياء أخر مثل سب الله تعالى أو القرآن أو رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وكل ما اختلف العلماء في أنه ينقض الذمة ينقض الهدنة جزماً لأن الهدنة ضعيفة غير متأكدة ببذل الجزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت