فهرس الكتاب

الصفحة 12508 من 27364

الصلح بين اليهود والمسلمين، وإعطاء اليهود أرض فلسطين أو بعضها ملكاً لهم؛ هذه قضية تهم كل مسلم، لأنها ترتبط بعقيدته وإيمانه، وبالتشريع الذي أنزل الله وأكرم كل مسلم به، وهذه المعاهدات عقدت بواسطة حكام متفرقين كل يزعم أنه يمثل بعضاً من المسلمين في إقليم من أقاليم البلدان الإسلامية (مصر، الأردن، فلسطين..) ، ولا شك أن هذه المعاهدات لا تلزم أي مسلم في الأرض، لأنها عقدت بمسميات وطنية إقليمية، وهذه المسميات في أساسها باطلة لأنها تفرق بين أبناء الأمة الواحدة، والملة الواحدة، وبالتالي فما يعقده أي رئيس من رؤساء المسلمين منفرداً لا يلزم جميع المسلمين في العالم، لأنه لم يفوض نيابة عنهم، ولا يجوز له التحدث باسم جميعهم، وبالتالي فإن هذه الاتفاقيات لا تلزم عموم المسلمين، بل ولا تلزم أي فريق منهم، لأن الشعوب الإسلامية لم تستشر في شيء من ذلك، وإنما فاجأهم الساسة بما وقعوه وأبرموه، ومثل هذه العقود التي عقدت عن غير مشورة لا تلزم المسلمين.

5)هذه المعاهدات من عقود الإكراه، وعقد الإكراه لا يجوز في الإسلام:

السبب الخامس في بطلان هذه المعاهدات أنها من معاهدات الإكراه، فالشعوب الإسلامية التي وقع ساستها على هذه المعاهدات فرضوها عليهم بالقوة والبطش والإكراه والإلزام، ولم يستشر فيها أهل الدين من العلماء، وأهل الرأي والخبرة والنجدة والنظر من المسلمين، وإنما أبرمها من لا يقيم وزناً للدين، ولا يميز بين المشروع والممنوع، وبين ما يجوز أن يصالح عليه الكفار وما لا يجوز، ثم فرضها بقوة ما معه من السلاح والقهر، والمسلم المقهور والمجبور الذي قد يظهر أنه راض - وهو مجبور ومقهور - لا أثر لرضاه هنا، ولا لإقراره؛ لأن إقرار المقهور والمجبور لا أثر له في العقود، بل العقد لا بد وأن يكون عن رضا، فشرط صحة العقود في الإسلام هو التراضي بين المسلم والمسلم، فمن باب أولى بين المسلم والكافر، وإذا أجبر المسلم على عقد من العقود فإنه لا يجوز أن يقبل به إلا مجبراً، وعليه رفضه عند بدء القدرة على رفضه ولو كان ذلك في قول كلمة الكفر: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ) (النحل: 106) .

ومن أجل الأسباب السابقة قلنا بأن هذه المعاهدات معاهدات باطلة وقعت يوم وقعت باطلة، والعقد الباطل كأن لم يكن وهي كعقود الربا و الزنا والسرقة وقطع الطريق وقتل المسلم، لا يجوز الوفاء بها ولا اعتقاد صحتها.

ومعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يعقد عقداً باطلاً، ولو كان فيه بعض المنافع الدنيوية، فعقد الربا فيه نفع دنيوي لكل من المقرض والمقترض، ولكن منافعه ملقاة لأن الله حرمه، وكذلك عقد الزنا هو منفعة متبادلة بين الزاني والزانية، فالزاني يستمتع ويقضي شهوته، وهي تستمتع وتأخذ أجرتها، وكذلك في عقود الميسر، وبيع الخمر حيث فيها ولاشك بعض المنافع الدنيوية، ولكن لما كان الله قد حرمها فإن منافعها الدنيوية تلغى ولا ينظر إليها.

وهذه المعاهدات التي أبرمت مع اليهود إذا احتج محتج بمنافعها الدنيوية قلنا: أن العقد المحرم يقع باطلاً وإن كان فيه بعض المنافع الدنيوية، وجدال من يجادل في منافع الصلح مع اليهود كجدال من يجادل في منافع الزنا والربا والقمار وبيع الخمر … الخ.

والعقود المبرمة مع اليهود أشد بطلاناً من هذه العقود المحرمة، لأنها عقد على إسقاط الجهاد، وإسقاط العداوة للكفار، وإخراج المسلم من الإسلام، وسلخه عن أمته ودينه بل وتاريخه وحضارته، ولاشك أن هذا أكبر إثماً من التعاقد على الربا والزنا والقمار وبيع الخمر.

6)هذه المعاهدات ستفسد دنيا المسلمين وليس دينهم فقط:

قد يجادل في صحة هذه المعاهدات وجواز الأخذ بها من يظنون أنها ستحقق خيراً للمسلمين في الدنيا، وأنها يمكن أن تجعل عند المسلمين فسحة من الوقت ليستعدوا لعدوهم، وقد يقول من يقول ممن باع آخرته بدنياه: بأن ثمرات السلام كبيرة جداً، وأن هذا السلام المزعوم سيأتي بالخير والرخاء على شعوب المنطقة كما يقولون. والصحيح أن الفساد الدنيوي والمادي، والآثار الضارة لهذه المعاهدات كثيرة جداً، يربو أضعافاً مضاعفة على ما يلوح ويظن من المنافع.

ومعلوم شرعاً أنه لا يجوز للمسلمين أن يعقدوا صلحاً مع عدوهم تربو فيه سيئاته على حسناته - وهذا في الشروط الجائزة -، لأن مثل هذا يكون تفريطاً في حق المسلمين، وضياعاً لأموالهم ودنياهم ومصلحتهم.

وهذا أحد مبطلات العقد مع الكفار كما نص الأئمة على ذلك من حيث أنه لا يجوز إبرام عقد ليس في صالح المسلمين، فكل عقد تزيد خسائر المسلمين فيه على منافعه لا يجوز لهم أن يعقدوه لأنه يكون تفريطاً في حق الأمة، وإعطاء للأعداء بغير سبب للإعطاء، وتقويتهم على المسلمين.

وهذه بعض الخسائر التي تحققت للمسلمين من وراء هذه المعاهدات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت