فهرس الكتاب

الصفحة 13103 من 27364

انبرى نفر من المفتونين بالفكر الليبرالي فيما مضى من العقود في مصر يبشرون بذلك الفكر على صُعُد مختلفة، ففي السياسة برز (سعد زغلول) ليكون داعية للنهج الأوروبي في الأداء السياسي، وبالبرغم من نشأته الأزهرية، إلا أن رحلاته المتعددة لأوروبا غيرت من فكره، وأقنعته بأن المحتل الأوروبي عندما يرحل ـ ولا بد أنه سيرحل ـ يجب الإبقاء على ما جاء من أجله، وهو تجذير التغيير في بنية الشعوب، لتقترب من النموذج الأوروبي، ولم يكن سعد زغلول وحيداً في حمل الهم الأوروبي رغم اقتران اسمه بالبحث عن الاستقلال، بل حمل معه هذا الهم كثيرون ممن أُشرِبوا في قلوبهم حب الأوروبيين من خلال التعليم في مدارس الإرساليات أو معاهد الأقباط، أو ضمن البعثات الخارجية؛ حيث دشن هؤلاء (العائدون من أوروبا) حملة تغريب منظمة بالتنسيق مع قوى (الاحتلال) حيناً، وتحت راية (الاستقلال) أحياناً.

فالاستعمار الإنجليزي استمر في مصر الفترة نفسها التي استمر فيها المد الليبرالي، وتحت إشراف ذلك المستعمر، وضع الليبراليون أيديهم على كل منافذ التأثير، وقد تعاقبت على حكم مصر حكومات تنتمي إلى أحزاب سياسية، وكان أكثرها يحمل المبادئ الليبرالية في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع، كحزب الوفد الضليع في علمانيته الذي أسسه سعد زغلول والذي تفرعت منه أو انشقت عنه أحزاب علمانية، تؤمن كلها بالمبادئ الليبرالية على اختلافٍ بينها في الوسائل، وفي المدة من (أكتوبر 1922م) وحتى قيام ثورة (يوليو 1952م) أي فيما يقرب من ثلاثين عاماً، قامت في مصر إحدى وأربعون وزارة، كان الوفديون الليبراليون أو المنشقون عن الوفديين (السعديين) يتناوبون فيها مع غيرهم من العلمانيين على كراسي رئاسة الوزراء، ولم يكن التنافس بين هذه الأحزاب في الغالب إلا بقدر إثبات قدرتها على إحداث التغيير في بيئة المجتمع المصري وفق معايير الغرب؛ فماذا كانت الحصيلة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت