إن المحصلة النهائية للتجربة الليبرالية التي سادت في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، أثمرت جيلاً تطلع إلى المزيد من الانحراف باسم التحرر، حتى جاء الثوريون ليثوروا على التحرريين، ويزايدوا عليهم في المناداة بمبادئ الحرية، حتى نعتوا أنفسهم بـ (الضباط الأحرار) تشبهاً بعتاة العلمانيين في تركيا، وتحت دعوى القضاء على فساد الأحزاب المتعددة في عهد الملكية، جرى جمع الفساد كله في حزب شمولي واحد أطلقوا عليه (الاتحاد الاشتراكي) ، وهو الحزب الذي تسربت إليه، وتحيزت إلى صفه كل عناصر الفساد القديمة، إضافة إلى العناصر المفسدة الجديدة.
واليوم تحاول الولايات المتحدة تحت مسمى إصلاح الشرق الأوسط الكبير، أن تجدد الدماء المتجمدة في عروق الليبرالية المصرية، وتنشئ لها على عينها أجيالاً جديدة، بعد (الانقلاب الأبيض) الذي قام به الثوريون على أنفسهم، انتقالاً من النهج الاشتراكي الشرقي، إلى النهج الديمقراطي والرأسمالي الغربي؛ حيث لم يَرُقْ للأمريكيين ذلك التردد والتلكؤ الذي سلكه بقايا (جيل الثورة) في انقلابهم على النهج الاشتراكي، كما لم تقنعهم نتائج (المواجهة الشاملة) مع أصحاب النهج الإسلامي، الذين أظهروا رفضاً لكلا المنهجين المستوردين الاشتراكية والرأسمالية؛ ولهذا فإن الأمريكيين اليوم يتطلعون إلى إيصال قوى شابة، تقود المعركة من جديد لصالح الغرب مع الإسلاميين، أو بالأحرى مع الإسلام في مصر، غير تلك القوى التي قادت المعركة من قبل لصالح الشرق.
ولكن الولايات المتحدة نفسها، بدأت بنفسها في إثبات أن ما يسمى بـ (القيم الديمقراطية والليبرالية) تسقط عند أول اختبار في ميدان المصالح، وتترنح في حلبة الصراع، عندما يكون الند المحارب صاحب حق، أو طالب حرية حقيقية.
إذا كانت الليبرالية السياسية تعني حق الإنسان في اختيار النظام الذي يريده، والنواب الذين يمثلونه، بما يكفل تحقيق العدالة والمساواة والاستقلال؛ فإن هذه الليبرالية بدأت تسقط كشعار على يد الولايات المتحدة ودول الغرب المبشرة بها؛ فقد درجت الولايات المتحدة وحلفاؤها على انتهاك سيادة وحرية العديد من الدول في السنوات الأخيرة، مرة بالغزو المباشر، ومرة بالتدخل السافر، ومرات ومرات بأنواع العقوبات، وبهذا يجري بانتظام إهدار ما يعده الغرب قيماً وأعرافاً قامت لأجلها الثورات الكبرى هناك، ويحدث هذا من أمريكا بالذات على يد يمين ديني مغالٍ، يؤمن بالحرفية أكثر مما يؤمن بالحرية، حتى إن الحقوق السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، باتت تعيش خطراً وضرراً بدأ يصل إلى حد ارتفاع بعض الأصوات بحرمان النساء والسود والمهاجرين من حق الانتخاب، وقصر ذلك على البيض البروتستانت. وهو ما يؤكد أن مشروع الهيمنة الأمريكي ليس من أجل الحريات، بقدر ما هو بسبب المصالح العنصرية والطبقية في الداخل والخارج.
إن هذا يعني في النهاية أن مسلسل سقوط (القيم) الليبرالية قد بدأ بالفعل على يد من بشروا بها، ووضعوا خطط السيطرة على العالم من أجلها، بل إن الديمقراطية نفسها ـ كأبرز تجليات الليبرالية السياسية ـ بدأت تفقد بريقها الخادع هنا وهناك، بعد أن بدا للجميع أنها لا تزيد عن عملية بيع وشراء، لا للسلع والمنتوجات، ولكن للذمم والأصوات، فهاهي الولايات المتحدة نفسها، ترتفع فيها تكاليف شراء المناصب العليا بمعدلات صاروخية؛ فمجموع ما أُنفق على الانتخابات الرئاسية قد ارتفع من 175 مليون دولار عام 1960م إلى أكثر من مليار ومائتي مليون دولار عام 1980م، وارتفع إلى ثلاثة مليارات ومائتي مليون دولار في التسعينيات، ووصل إلى أربعة مليارات من الدولارات في آخر التسعينيات، وفي الانتخابات الأخيرة بلغت تكاليف فوز بوش وحزبه خمسة مليارات من الدولارات.
هذا عند زعيمة العالم الليبرالي الحر في الغرب. وأما في الشرق؛ فإن الكراسي ومناصب الحكم بل مقاعد النيابة عن الشعب عند من يلهثون وراء السراب الليبرالي والديمقراطي، تُسرق ولا تُشترى، فإذا كان كبار رجال الأعمال في الغرب يشترون الأصوات شراء؛ فإن كبار المحتالين عندنا يسرقونها سرقة، بتزوير ظاهر، وتحايل مكشوف، بل بـ (بلطجة) وشيطنة وانحراف. أما في واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط (إسرائيل) فقد تكشفت مؤخراً فضيحة تورط شارون وابنه (عمير) بالكذب والتزوير وإنفاق مبالغ طائلة من أموال دولة اللصوص القائمة على الاغتصاب، لإنفاقها على العملية الانتخابية التي جاءت بشارون.
أما الليبرالية الفكرية التي تعد أساساً لليبرالية السياسية، فهي تؤصل منذ نشأتها للفوضي الفكرية، ولهذا فإن كل ما يبنى فوقها من منشآت سياسية يؤول أمره إلى الفوضى، وثورة الليبرالية على الدين وثوابته لا تلبث أن تتحول إلى ثورة على السياسية ومسالكها.