يحتكم البشر فيما بينهم في كل زمان ومكان إلى ما يرتضونه من شريعة أو عرف أو قانون؛ فأتباع الشريعة الربانية لا يرضون بغير شريعة ربهم حكما بينهم، فهي قانونهم ونظامهم، يقفون عند حدودها، ويلتزمون قيودها. وأهل الشرائع المحرفة أو المبدلة يفعلون ذلك فيما ارتضوه من شرائعهم، والملاحدة لهم قانون يلتزمونه فيما بينهم، بل إن جهلة الناس من أعراب الصحراء، ومن يعيشون في الأدغال، ولم يطلعوا على شيء من الحضارات والمعارف لهم أعرافهم وأنظمتهم التي ينظمون بها شئونهم، ويعرف أفرادهم بواسطتها حقوقهم، ولا يوجد بشر مهما كانوا ليس لهم نظام ولا قانون يلتزمونه، وهذا من أبين الأدلة على أن الإنسان مفتقر للعبودية، فإما أن يكون عبدا لخالقه سبحانه، وإما أن يكون عبدا لمخلوق مثله، ولا يوجد شيء في الأرض يسمى حرية مطلقة لا في الأفعال ولا في الأقوال. خلافا لما يزعمه الزاعمون من أن الإنسان ولد حرا بلا قيود عليه فله أن يدين بما يشاء، وأن يفكر كيف يشاء، ويقول ويفعل ما شاء، ويكتب وينشر ما شاء، وهذه كلها دعاوى عريضة ليس لها وجود في واقع البشر لا في زماننا هذا ولا قبله، ولا في دول الشرق ولا في دول الغرب، بل الموجود في كل زمان ومكان وفي كل الدول وعند كل البشر أنظمة وقوانين تضبط أقوال الناس وأفعالهم، وليس من حق أحد في أي جزء من الأرض أن يقول ما يشاء، أو يفعل ما يشاء، أو ينشر ما يشاء. وفي شريعة الإسلام للعبد حدود في أقواله وأفعاله لا يجوز له تجاوزها وإلا حوسب عليها في الدنيا والآخرة {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} وفي آية أخرى {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وفي آية ثالثة {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .وفي الإسلام ليس للإنسان أن يقول ما يشاء، أو يكتب ما يشاء، أو ينشر ما يشاء؛ فقد يقول كلمة أو يكتبها أو ينشرها فيكفر بها، ويستحق القتل بسببها، وقد يقول السوء في شخص فيجلد حدا أو تعزيرا. فإن لم يكن مسلما فليس له أن يسب الله تعالى أو رسول صلى الله عليه وسلم أو دين الإسلام وإلا استحق القتل. وليس له أن يقذف بالسوء أحدا من المسلمين وإلا عوقب. هكذا يؤاخذ الإنسان بما يقول وبما يكتب مسلما كان أم كافرا. والرأي أو الكلمة التي يزعم بعض الناس أن الإنسان حرٌ فيها قد تودي بالإنسان إلى النار، وتستجلب غضب الجبار جل وعلا وهي مجرد كلمة أو رأي قاله؛ كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) رواه مسلم، وفي لفظ للترمذي (يهوي بها سبعين خريفا في النار) ولما أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يكفوا ألسنتهم عما لا ينفع من الكلام قال له معاذ رضي الله عنه: (وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وصححه.وفي كل قوانين البشر الوضعية المعاصرة ضوابط لما يقال وما يكتب وما ينشر، وعقوبات لتجاوز هذه الضوابط خلافا لما يزعمه دعاة الحرية بأثوابها الغربية في بلاد المسلمين؛ ولذا قرنوا في تعريفاتهم للحرية بين الحرية والمسئولية، وجعلوا حرية الشخص تنتهي عند حرية الآخر، وجعلوا من ضمن الأذى الممنوع في باب حرية الرأي: الأذية بالقول أو الكتابة، كالكذب على الأشخاص أو النميمة فيما بينهم أو نشر إشاعة مغرضة تضر ببعضهم، وقوانينهم تعاقب على كل هذه التصرفات التي يسمونها غير مسئولة، ولا يجيزونها بدعوى حرية الرأي أو حرية الكتابة والنشر. وكم سمعنا من قضايا رفعت على أقوام تسمى دعاوى التشهير.ولو صاح بالناس إنسان في أكبر بلاد الدنيا حرية أن حريقا قد اشتعل بالقرب منهم، أو أن قنبلة قد وضعت في طائرتهم وكان كاذبا متعمدا للكذب لعوقب على ذلك؛ لأنه من باب الأذى للناس وترويعهم، والإزعاج للسلطات المسئولة، ولا تشفع دعوى حرية الرأي، أو محبة المزاح لصاحبها في مثل ذلك، مع أنه لم يعتد على أحد لا بقول ولا بفعل.وكل دولة فيها من القوانين ما يُجَرِّم إفشاء الأسرار للدول الأخرى، وقد تصل عقوبة ذلك إلى القتل، مع أن مفشي الأسرار لم يتجاوز إلا أن قال قولا، أو كتب كتابا نبذه إلى من ينتفع منهم.ولو شهد شاهد على قضية ثم اتضح كذبه في شهادته لعاقبته كل قوانين القضاء في الأرض، شرعية كانت أم وضعية، مع أنه بشاهدته لم يخرج عن إطار القول، وبعض الناس قد يكون مولعا بشهادة الزور، أو يتأكل بها، ولم يقل أحد من العالمين إن شهادة الزور تجوز من باب حرية الرأي.وفي البلاد الغربية تمنع الكتب، وتحجب المقالات، وتُقَيَّدُ حرية الرأي والكتابة والنشر، إذا خالفت سياسة المهيمنين على الأحزاب المتنفذة ، أو كان فيها فضح لممارساتهم، أو تجييش للجماهير ضدهم، أو كان فيها ما يعكر على مشاريعهم الاستعمارية، وفي الدولة الليبرالية الأولى في العالم منعوا كتاب الخديعة الكبرى؛ لما فيه