فهرس الكتاب

الصفحة 13302 من 27364

وفي القتال: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) .

وفي آخر السورة: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) .

ثم كان من سنة الله تعالى أن كتب الغلبة لأهل الحق والإيمان والعدل على أهل الباطل والكفر والظلم، ولكن بشرط أن يكونوا قائمين بأمر الله تعالى، ناصرين لدينه، مستمسكين بشريعته، فإن غلبهم أعداؤهم فبسبب تقصيرهم في دينهم، ومعصيتهم لربهم.

وهذه السنة العظيمة جاءت بذكرها آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، بل أقسم عليها الرب جل جلاله في قوله سبحانه: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) .

وفي آيات أخرى كثيرة: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) . (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) . (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) .

ولكن إن أخلَّ أهل الحق بهذا الشرط المتمثل في نصر الله تعالى بالاستمساك بدينه، وتعظيم شريعته، والعمل بها، فقدوا سبب النصر، وعوقبوا بالذل والهوان، وتسلط الأعداء؛ تذكيراً لهم وتأديباً، لعلهم إلى ربهم يرجعون، وبدينهم يستمسكون، وعن المعاصي ينتهون.

وهذا التأديب والتذكير ذاق شدته ومرارته أفاضل هذه الأمة، فحين عصى الرماة في أحد أمر الرسو صلى الله عليه وسلم ، انقلب ميزان المعركة لصالح المشركين، وكف الملائكة عن القتال إلا حمايةً للنبي r، وأصاب المسلمين كربٌ شديد، وألمت بهم محنة عظيمة، وأحاط المشركون ب صلى الله عليه وسلم في نفر قليل من الصحابة رضي الله عنهم، وشُجَّ رأسُ النبي صلى الله عليه وسلم ، وكُسِرت رباعيته، وهُشِمت البيضة على رأسه، وأشاع المشركون قتله، وقُتل سبعون من خيار الصحابة رضي الله عنهم، ومَثَّل المشركون ببعضهم، وأُصيب أهلُ المدينة في آبائهم وأزواجهم وإخوانهم وأولادهم، وأنزل الله تعالى آيات كريمات تبين أن معصيتهم هي سبب مصابهم (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) . إلى أن قال سبحانه: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

إنّها حقائق من رب العالمين، وإخبار العليم الخبير، وليست تكهنات كهّان، أو استنتاجات خبراء، أو تحليلات سياسيين، أو تخبّطات صحفيين، لا يرى أكثرهم أبعد من أنوفهم، ولا يدركون سنن الله تعالى في خلقه، ولا يحسنون التلقي عن كتابه الكريم.

إن الذلّ والهوان قد أصاب المسلمين في هذا الزمان على أيدي كفرة أهل الكتاب من بني إسرائيل، من عباد العجل وعباد الصليب، الملعونين في كتاب الله تعالى على لسان أنبيائهم داود وعيسى ابن مريم عليهم السلام؛ فاستباحوا الديار، واحتلوا البلدان، ونهبوا الثروات والتفوا على القرارات، وصاروا يلعبون بالمسلمين ذات اليمين وذات الشمال في مجالس ومنظمات أُسست على الباطل، وكانت قائمة على الظلم وراعية له منذ نشأتها إلى يومنا هذا.

لقد أقضت هذه الحال المزرية مضجع كل غيور على أمته، وراح الكُتّاب والباحثون يشخّصون المشكلة، ويبحثون أسبابها، ويقترحون الحلول لعلاجها؛ فرأى أقوام منهم أن سببها تمسك المسلمين بموروثهم من دين وكتاب وسنة، وأن العلاج في اطراح ذلك، وأخذ دين الذين كفروا المتمثل في الديمقراطية والليبرالية، والحرية المزعومة، وهو ما تصيح به أكثر الإذاعات والفضائيات، ويُسَوَّدُ في الصحف والمجلات مع كل نازلة تنزل أو أزمة تتجدد، يريدون إخراج الناس من دينهم، وتجريدهم من مصدر عزهم وقوتهم، وتالله إن هذا لهو البلاء الماحق، والداء القاتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت