فهرس الكتاب
ورأى آخرون أن ما أصاب الأمة المسلمة ما هو إلا بسبب الركون إلى الدعة والكسل، والتقاعس عن العمل في المجالات الدنيوية، ويكثر حديث هؤلاء عن البناء الحضاري، والتقدم التقني، ويتكرر في خطابهم استخدام المصطلحات الانهزامية، كمصطلحات السلام والتعايش والإنسانية ونحوها، وتجد استدلالهم بأقوال حكماء الكفار وفلاسفتهم أكثر من استدلالهم بالكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، حتى في مجالات الأخلاق والسلوك؛ مما ينم عن انهزام أمام المناهج المنحرفة، وانبهار بمنجزات الحضارة المعاصرة، وافتتان بالدنيا.
ويرى هؤلاء أنه لا مخرج للأمة إلا بتغيير العقلية القديمة المألوفة إلى عقلية جديدة واسعة الآفاق، متفتحة على الآخرين، ونهاية مقولاتهم تلتقي مع مقولات الطائفة الأولى، ولولا سابقة بعضهم في العلم والدعوة لربما نحو نحوها.
والحق الذي لا مرية فيه - إن شاء الله تعالى - أن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان ما هو إلا بسبب الذنوب والمعاصي، وهي التي أورثت التنازع والاختلاف، وهي سبب تسلط الظالمين والكافرين، وكل ما يُذكر من أسباب التخلف والضعف فمردّه إلى المعصية؛ لأنّ المسلمين لا يصلحون إلا بطاعة الله تعالى، ولا يُهزمون إلا بمعصيته.
وإذا كانت معصية واحدة في غزوة أحد أورثت ذلاً بعد عزّ، وقلبت المعركة من نصر إلى هزيمة، فكيف بمئات المعاصي التي تمتلئ بها بيوتنا وأسواقنا وأعمالنا؟!.
كم في المسلمين من معاصٍ سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية؟!.
كم فيهم من ظلم وعدوان، وبخس للحقوق، وتضييع للأمانات، وترك للواجبات، ومسارعة إلى المحرمات؟!.
يستوي في ذلك كبار القوم وأراذلهم.
إن الواحد من المسلمين لو أحصى ذنوبه في يومه وليلته، سواء فيما يتعلق بحقّ ربّه عز وجل، أو حق نفسه، أو حقوق الآخرين من والد ووالدة وزوج وولد، وذي رحم وجوار، وحقوق وظيفته وعمله، وحقوق رعيته ودولته وأمته، لو أحصى ذلك كله لعلم أنّ ذنوب يوم واحد كفيلة بحجب نصر الله تعالى، وتنزل عقوبته، وتسلط أعدائه.
فكيف إذا عدها في عام كامل، ثم جمع معها ذنوب إخوانه المسلمين؟!.
إنها الذنوب التي تورث الذل، وتسبب التنازع والفشل، وتؤدي إلى الضعف والعجز، وتدفع إلى حب الدنيا وضعف الهمة للآخرة، وليس بعد كلام الله تعالى في هذا الأمر كلام، واقرؤوا إن شئتم سياق الآيات من سورة آل عمران في مصاب المسلمين في أحد وأسبابه تعرفوا أثر المعصية على الأفراد والجماعة والأمة، كيف وهذا المعنى قد قرر في غير الحديث عن أحد في عدد من الآيات:
(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) .
وقد خاطب الله تعالى نبي صلى الله عليه وسلم بذلك: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) .
هذا هو الداء، والعلاج في التوبة من هذا الداء، والعودة إلى الله تعالى، أفرادا وجماعات، شعوبا وحكومات، وإلا كان المزيد من الذل والهوان، والظلم والاستضعاف نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يعفو عن ذنوبنا، وألا يؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا بما فعل السفهاء منا إنه سميع قريب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم.
أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله؛ كتب الذل والهوان على الكافرين، وجعل العاقبة للمتقين، أحمده حمداً يليق بجلاله وسلطانه، وأشكره على جزيل نعمه وإحسانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.
فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه، واحذروا المعاصي فإنها سبب الذل والهوان، والجوع والخوف: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) .
أيها المسلمون
ربنا جل جلاله هو خالق الخلق، ومالك الملك، ومدبر الأمر، وبيده مقاليد كل شيء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير.
بيده سبحانه وتعالى الذلّ والعزّ، والنصر والهزيمة، وهو الذي يعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، ويرفع ويضع: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .