فهرس الكتاب
من ابتغى العزة فليطلبها منه وحده لا شريك له، ولا عزة إلا في دينه الذي ارتضاه لعباده: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي: من أرادها فليطلبها بطاعته، بدليل قوله سبحانه بعد ذلك: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) .
ولا يضر المؤمن قدح الكفار والمنافقين في دينه، أو انتقاصهم له، فإن العزة فيه مهما قالوا: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) .
ولما قال المنافق: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) . كان الجواب: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .
وبيّن سبحانه أن من والى الكفار يطلب العزة منهم فقد طلبها في غير محلها: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) .
وبيده سبحانه النصر والتأييد، ويُطلب ذلك منه، لا من أحد غيره، مهما علا قدره، ومهما بلغت قوته: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ) . (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) . (يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) .
أفبعد هذه الآيات المحكمات الواضحات يسوع لمؤمن بالله تعالى أن يطلب العز والنصر من غير الله تعالى أو يبتغيه في غير دينه، وقد قضى سبحانه بأن من نصره بالتمسك بدينه فسوف ينصره على أعدائه؟!.
أيسوغ لمسلم أن يقنط من رحمة الله تعالى وهو يقرأ كتابه؟!. أو ييأس من عودة القوة والعزة والكرامة للأمة المسلمة؛ لتحكم في الأرض بالعدل وقد امتلأت جورا وظلماً، وهو يعلم أن العاقبة للتقوى، وأن المستقبل لهذه الأمة، وأن دين الله تعالى عزيز رغم ضعف المسلمين؟!.
نحتاج فقط إلى التوبة النصوح التي يتخلص بها كل واحد منا من ذنوبه، ويستشعر مسؤوليته، ويحاسب نفسه، ويراقب الله تعالى في كل شؤونه، ويسعى في نصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان بكل ما يستطيع من أنواع النصرة، مع ثقته بربه عز وجل، والإكثار من الدعاء والتضرع بين يديه سبحانه؛ فإن الدعاء سلاح لا يخطئ، وقوة لا تغلب، وما تسلّح الفاتحون من أسلافكم بسلاح أمضى منه.
سأل سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير عليهم رحمة الله تعالى:"ما كنت تفزع إليه عند الحرب؟!". قال:"الدعاء والصبر".
ولما صافَّ قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى للترك، وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى، فقيل:"هو ذاك في الميمنة، جامح على قوسه، يبصبص بأصبعه نحو السماء". قال:"تلك الأصبع أحب إليَّ من مئة ألف سيف شهير، وشاب طرير".
وكان صلاح الدين رحمه الله تعالى إذا سمع أن العدو داهم المسلمين خر ساجداً لله قائلاً:"إلهي، قد انقطعت أسبابي الأرضية في دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل".
فثقوا بربكم -أيها المسلمون- وتعلقوا به، وتوبوا إليه، واسألوه فإنه سميع قريب مجيب.
وصلوا وسلموا على نبيكم.