فهرس الكتاب

الصفحة 13335 من 27364

وفي الغرب رُفعت قضايا عديدة ضد أكثر من مفكر وكاتب ومؤرخ لمجرد أنه (عبر عن رأيه) بالتشكيك في محارق النازية لليهود (الهولوكست) نفياً لوجودها أو تقليلاً من عدد ضحاياها، وقد كانت حجج اليهود أن في ذلك معاداة للسامية، وهي عنصرية تعمل على إشاعة الكراهية ومضادة (الإخاء) و (المساواة) ، وهي (ثوابت) و (مقدسات) في المجتمع الغربي، يجب المحافظة عليها حتى ولو اقتضى ذلك تقييد (حرية الرأي) ومصادرة (حرية التعبير) لأفراد مفكرين، يمكن أن يكون مآلهم السجن (عكس الحرية تماماً) أو الحكم بالغرامة المالية، بدلاً من تشجيعهم على البحث الحر والرأي الحر.

في الغرب يقوم نظام الحكم على الديمقراطية (وهي من أكبر عمليات النصب الفكري في التاريخ، ولهذا حديث آخر) التي قوامها القبول بالتعددية، وضماناً لإعمال هذا المبدأ تقوم أنظمة الحكم الغربية بإطلاق (حرية تكوين الأحزاب السياسية والتكتلات) ومع ذلك نجد أن بعض هذه الدول تشترط عدم خروج الأحزاب على بعض المبادئ الأساسية في المجتمع (تقييد هذا الحق وتوجيهه) فلا تسمح بقيام حزب جمهوري في بلد ملكي، أو قيام حزب ملكي في بلد جمهوري، أو قيام حزب انفصالي في بلد اتحادي، أو قيام حزب شيوعي في بلد رأسمالي (كما في أمريكا مثلاً) ، أو قيام حزب نازي أو فاشي في بلد ليبرالي - وخاصة ألمانيا وإيطاليا - ولو حدث اختراق لبعض هذه الشروط والقيود تحت مسميات ومظلات أخرى فإن العقوبات تكون بالمرصاد لهذا الاتجاه ولزعيمه ولبلده، وحالة حزب الحرية (القومي النمساوي) وزعيمه (يورج هايدر) ليست ببعيدة.

وأسباب ذلك التقييد والتضييق قريبة من الأسباب المذكورة في النقطة السابقة.

وباختصار: ماذا لو خرج في الغرب ـ مِن منطلق الحريات ـ مَن يطالب بهدم (ثابت) الحرية (المقدسة) وإسقاطه؟ الرد الفوري الجاهز من أنصار الحرية سيكون الشعار المعروف: (لا حرية لأعداء الحرية) بدعوى أن هؤلاء (سيستخدمون الحرية لقتل الحرية) .

وبالطبع فإنهم لا يعدون هذه القيود انتقاصاً للحقوق والحريات، بل يعدونها حماية لهذه المكتسبات التي أصبحت ثوابت (مقدسة) وضبطاً لها؛ حتى لا تتحول إلى فوضى يضيع معها نظام المجتمع.

* الحريات في الإسلام بين الحق والضبط:

وفي مقابل المنظومة الغربية في الفكر والقيم نجد في الإسلام و (المجتمع الإسلامي) منظومة مختلفة تماماً: مختلفة في المرجعية والمنهجية، وفي الثوابت والمقدسات، وفي الغايات والأهداف، وحتى في الوسائل والأدوات القانونية والاقتصادية والسياسية لتحقيق هذه الغايات.

فمقابل (العقل المجرد) و (الحس التجريبي) نجد في الإسلام أن (الوحي) هو المرجعية الأولى للفكر والقيم، مع عدم إهمال أهمية المرجعية المعرفية للعقل والحس، ولكن وضعهما في إطارهما واستعمالهما في مجالاتهما.

ومقابل (العلمانية) نجد في الإسلام أن (الشريعة) وانتظام الدين مع الدنيا هو المنهجية التي يقوم عليها المجتمع.

ومقابل (الفردية) نجد في الإسلام المسؤولية المتبادلة بين الفرد والمجتمع والتآلف بينهما من غير جور أو تعدي أي منهما على الآخر (حقوق شخصية، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) ، وهو ما يؤكده حديث السفينة التي استهمها ركابها، وهذا المفهوم يرقى بحريتي الرأي والتعبير ـ وفق التصور الإسلامي ـ من مرتبة (الحق الشخصي) إلى مرتبة (المسؤولية الاجتماعية) .

ومقابل (الحرية) و (المساواة) نجد في الإسلام أن (العبودية) لله رب العالمين و (العدل) بين البشر (ليس بالضرورة أن يكون العدل هو المساواة كما يفهمها بعض البشر) يتربعان على قمة الهرم القيمي في المجتمع الإسلامي، فهما أكبر (الثوابت) و (المقدسات) في المجتمع، وتحقيق هاتين القيمتين وعدم المساس بهما له الأولوية المطلقة التي ينبغي أن تخضع له أو تتقيد به أو تنتظم معه قيم المجتمع الأخرى بما فيها الحقوق والحريات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت