فهرس الكتاب

الصفحة 13336 من 27364

وأعني بـ (العبودية) لله ـ عز وجل ـ: الخضوع والدينونة العامة له (سبحانه) ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] ، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، وفي هذا الإطار نلاحظ أن تحقيق (العبودية) لله ـ عز وجل ـ يتناسب طردياً مع (التحرر) من المخلوقات؛ فكلما عظمت حقيقة العبودية لله ـ تعالى ـ وارتفعت في نفس المسلم، كلما ازداد تحرره من المخلوقين. كما نلاحظ أن هذا التحرر يكون داخلياً وخارجيّاً؛ فالعبودية لله ـ سبحانه ـ تجعل المسلم يتحرر حتى من سيطرة (الأشياء) والتعلق بها؛ «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعْطَ لم يرضَ» (1) . وتأمل موقف سلطان العلماء (العز بن عبد السلام) عندما أغلظ في القول جهراً مناصحة للملك الصالح نجم الدين أيوب، لما رأى الأمراء يقبِّلون الأرض بين يديه. يقول تلميذه الباجي: «سألت الشيخ لمَّا جاء من عند السلطان ـ وقد شاع هذا الخبر ـ: يا سيدي! كيف الحال؟ فقال: يا بني! رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه؛ لئلا تكبر نفسه فتؤذيه، فقلت: يا سيدي! أما خِفتَه؟ فقال: والله! يا بني! استحضرتُ هيبة الله ـ تعالى ـ فصار السلطان قدامي كالقط» .

أما (العدل) فإنه من أبرز خصائص هذه الأمة {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] ، {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] ، والوسط هو العدل - كما جاء في تفسيرها-.

وضمن هذا الإطار تنتظم (الحقوق) و (الحريات) الشخصية، وليعذرني القارئ في استعراض بعض هذه الحقوق والحريات حسب شكل الإطار الغربي:

فـ (حق المعرفة) مكفول في الإسلام، ولكن تحت ظروف معينة جاز تضييقه بعض الشيء لأجل الارتقاء بمستوى (العبودية) والمحافظة عليها، كما في حديث معاذ عندما أخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرَّمه الله على النار» ، فقال معاذ: «يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟» ، قال: «إذن يتكلوا» (1) ، وهو ما يسميه العلماء: جواز كتم العلم للمصلحة.

و (حرية العقيدة) في المجتمع الإسلامي مكفولة (في إطار) مراعاة الثابت الأعلى لهذا المجتمع (العبودية والدينونة لله عز وجل) ، ومن هنا اتسع المجتمع الإسلامي لوجود التعدد الديني فيه، عندما قَبِلَ أن يتعايش فيه أفراد يعتنقون اليهودية والنصرانية - وقد يلحق بهما المجوس كما جاء في بعض الروايات، باعتبار أن لهم شبهة كتاب - وترك لهم حرية تنظيم شؤونهم الشخصية، بينما لم يتسع لغيرهما من الديانات الوثنية أو الإلحاد، وذلك باعتبار أن اليهودية والنصرانية ديانتان ذواتا أصل سماوي ويعلنان انتسابهما إلى مظلة تلك العبودية والدينونة في الجملة؛ فالقاعدة في ذلك: قبول المجتمع الإسلامي أن ينضوي تحت مظلته كل من يعلن قبوله لسلطان الله عليه في الجملة، ونبذه لكل من يعلن تمرده وخروجه على هذا السلطان.

ولكن الانحراف والتحريف الطارئ على تلكما الديانتين - والذي يتصادم مع حقيقة (ثابت) العبودية - يجعل دائرة (حرية التعبير) أضيق في حقهما من دائرة (حرية الاعتقاد) ، فلا يحق لهما الدعوة - أو التبشير ـ بدينهما، ولا إظهار شعائر عباداتهما ـ المعبرة عن انحرافهما ـ خارج دائرة معتنقيهما. فخروج (حرية التعبير) عن هذه الدائرة يخرق نظام المجتمع ويهدم الثابت الأساس والمقدس الأول في الهرم القيمي للمجتمع. وهنا يضاف ـ في حق هؤلاء ـ إلى قبول سلطان الله: قبول شريعة الإسلام باعتبارهما المرجعية والنظام اللذين يقوم عليهما المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت